للبحث الدقيق يمكنك استخدام البحث المتقدم أدناه

يعتمد البحث السريع على الكلمات الموجودة داخل عنوان المادة فقط، أما البحث المتقدم فيكون في كافة الحقول المذكورة أعلاه

حوار مع الدكتور رشدي راشد

السنة الدولية للضوء والحسن ابن الهيثم

  • أجرت الحوار معه : د. موزة بنت محمد الربان

    رئيسة منظمة المجتمع العلمي العربي

  • ما تقييمك؟

    • ( 5 / 5 )

  • الوقت

    12:26 م

  • تاريخ النشر

    16 مارس 2015

أعلنت الجمعية العمومية للأمم المتحدة اعتبار سنة 2015 سنة للضوء وتكنولوجيات الضوء، وقد اختيرت لتكون احتفالا بمرور ألف سنة على تأسيس علم الضوء على يد الحسن ابن الهيثم وتأليفه لكتاب المناظر، ومن المعلوم أنكم درستم ابن الهيثم بكثير من التعمق مما جعلكم من أهم الباحثين على مستوى العالم في هذا، فما سر اهتمامك بابن الهيثم؟ وكيف بدأ؟

أولاً تحديد سنة لعلم الضوء فكرة جيدة وأن تكون هي 2015 فكرة جيدة أيضاً. وفكرة جيدة كذلك أن نرى هذه السنة باسم ابن الهيثم، لأن ابن الهيثم كان أول من وضع نظرية للضوء سآتي إليها فيما بعد، ولكن اعتبار سنة 1015 هي السنة التي كتب فيها ابن الهيثم كتاب المناظر فهذا خطأ، والصحيح أنها السنة التي كتب فيها ابن الهيثم كتابه عن ضوء القمر، وهي رسالة هامّة جداً، وكانت أول شرح علمي حقيقي لضوء القمر. ولقد نبّهت إلى ذلك المسئول عن تنظيم هذه السنة وهو يعمل في إحدى الجامعات الفرنسية الآن ولكنه ليس فرنسي، وقد أخذ به، ولكن حدث خطأ.  فإذن يمكن أن نعتبر أن سنة 1015 هي إحدى السنوات الهامّة التي بدأ فيها علم الضوء على أساس كتاب ابن الهيثم في ضوء القمر.

قبل ابن الهيثم كان الاهتمام الأساسي بنظرية الإبصار أكثر منه بعلم الضوء. وكان في اتجاهين وهما: ما يسميه ابن الهيثم أصحاب الشعاع أي الرؤية بخروج شعاع من العين أو خروج مخروط شعاعي من العين يُلقى على الشيء المرئي وهنا تحدث الرؤية، وشروح لذلك مختلفة أهمها في كتابين، أحدهما هو كتاب أقليدس في المناظر والثاني كتاب بطلميوس أيضاً في المناظر. كتاب أقليدس حول هندسة الرؤية حيث عالج فيه الرؤية المباشرة، وله كتاب آخر يبحث فيه الانعكاس على المرايا وأمور أخرى متعلقة، أما بطلميوس فذهب أبعد من هذا وعالج أمور عديدة، منها أنه عالج أيضاً في الجزء الخامس من كتابه الانكسار.

أما ابن الهيثم فهو أول من فرق بين شروط الإبصار وشروط الإنارة، ويمكن القول أنه بالنسبة إلى أقليدس، الرؤية هي إنارة الموضوع بخروج شعاع من العين، بالنسبة إلى بطليموس الرؤية أيضاً هي إنارة مع تدخل بعض الفيزياء. أما ابن الهيثم فقد أبطل هذه النظرية وأصبح هناك شروط للإبصار مختلفة عن شروط انتشار الضوء، هذه النقطة الأولى، أما النقطة الثانية عند ابن الهيثم فقد أصبح للضوء وجود ذاتي وله سرعة ذاتية وأصبح له وجود مادي. وتدرس نظرية انتشار الضوء على أساس وجود فعلي لشيء مادي ينتشر و يشعّ، وأصبحت هي دراسة شروط الاشعاع، أولاً الشعاع المباشر ثم الاشعاع بالانعكاس والاشعاع بالانكسار وإلى آخره. وهنا تدخل أيضاً نظريته في ضوء القمر التي بيّن فيها أن ضوء القمر يأتينا بالانكسار وليس كما قيل من قبل أن القمر مرآة ينعكس عليها الاشعاع. من هنا، يمكننا اعتبار قرار الأمم المتحدة قرار تقريبي ولكن الشيء الهام فيه، أنه أصبح و لأول مره في هذه الميادين أن يذكر ابن الهيثم كأحد علماء الإنسانية وان يربط اسمه بهذا الحدث و في هذا رجوع للحقيقة.

أما سر الاهتمام بابن الهيثم: في الحقيقة الاهتمام بابن الهيثم جاء متأخراً بمعنى أنني عندما قمت للتحضير للدكتوراه، كان موضوع الدكتوراه هو تطبيق الرياضيات في الميادين التي يصعب فيها هذا التطبيق والتي لم تنضج فيها المفاهيم حتى تقبل تطبيق الرياضيات، وكان الأساس هو حساب الاحتمالات وهذا النوع من الرياضيات، وفي خلال العمل في هذا الميدان، كانت الفكرة الأساسية هي متى وكيف يحدث أن يبدأ نجاح تطبيق الرياضيات في موضوعات معينة؟ فعملت على الميكانيكا قبل جاليليو ثم على الكهرباء قبل أورشتد، وفكرت أن أعمل شيئًا في تاريخ علم الضوء على هذا الأساس. وهنا قابلت ابن الهيثم، وبكل صراحة قابلته باللاتينية قبل أن أقابله بالعربية، وكان هذا موضوع رسالتي. وفي النظام الأكاديمي الفرنسي كانت هناك رسالتان: الرسالة الأساسية والرسالة الإضافية. فاخترت للرسالة الإضافية دراسة العلاقة ما بين تاريخ العلوم وما قبل تاريخ العلوم. واخترت المناظر كمثال، وخاصةكتاب المناظر لابن الهيثم.

كان هذا في الستينات تقريباً، ثم جاءت ظروف شخصية وعامة غيّرت بعض الأشياء وبدأت الاهتمام بالرياضيات العربية. وكان أول عمل لي في الجبر، وقد كان اكتشاف كتاب هام في الجبر على سبيل الصدفة، فقد كنت ابحث عن كتب ابن الهيثم في إسطنبول فوقعت على كتاب أحد العلماء وهو السموأل بن يحي المغربي المتوفي سنة 1175، وكان هذا الكتاب له أهمية خطيرة في تاريخ الرياضيات لأنه كان يحتوي على نتائج كنا (كمؤرخين) نظن أنها من القرن السادس عشر و القرن السابع عشر، وهذا الرجل هو أحد تابعي أبو بكر الكرجي، والكرجي هو من غيّر في تاريخ الجبر، وحققت في هذا الكتاب مع زميلي الدكتور صلاح أحمد من جامعة دمشق، ونُشر في سوريا.

فبدأ الاهتمام بتاريخ الرياضيات، وهنا طبعاً قابلت ابن الهيثم مرة أخرى، كرياضي وفيزيائي، وقمت أولاً بالتحليل التاريخي و الأبستمولوجي للنظريات لفهم ما جاء به من جديد، والعلاقة مع القديم وأين يقع التجديد؟ وأين يستمر القديم؟ كان هذا هو الأساس، وبدأت أعمل في علم المناظر لابن الهيثم وبدأت بنشر دراسات حول ابن الهيثم في كتاب طبع في إنجلترا بعنوان "رياضيات ومناظر". ثم جاءت الفكرة أن أبدأ في العمل في مناظر ابن الهيثم وفي علاقة المناظر بالرياضيات، وهنا ظهر الشيء الضخم وهو الأعمال الرياضية والأعمال الفلكية، واستغرقت هذه البحوث بين ثلاثة إلى أربعة عقود.

ما هو شائع ومُتداول أن ابن الهيثم ولد في البصرة وعاش في بغداد ثم انتقل إلى مصر حيث سجن فيها وادعى الجنون، وفيها كتب كتابه الشهير " المناظر" الذي وضع فيه أسس علم الضوء، فما مدى صحة هذا القول؟

أولاً هذا القول يعتمد على خلط استمر طويلاً، للأسف الشديد، بين شخصين هما الحسن بن الحسن بن الهيثم (ابن الهيثم) ومحمد بن الحسن بن الهيثم وهو فيلسوف جيد، وقد وضحت ذلك في الخلط في عدة مقالات. إن سبب كل هذا الخلط - في رأيي- هو خرافات سببها أن مؤلفي السيّر يؤلفون السير لجذب و لإمتاع القراء، فكانوا يدخلون أشياء غير حقيقية، و من بين هؤلاء مؤلفين كبار أيضاً، فحدث هذا الخلط. الحسن بن الحسن بن الهيثم لم يقيم في بغداد، هو وُلد في البصرة و الثابت أن له ابنة من البصرة وتزوجت فيها. أما الذي كان في بغداد فهو محمد بن الحسن بن الهيثم ( الفيلسوف). بعد هذا ذهب الحسن ابن الهيثم إلى مصر، وكانت مصر في ذلك الوقت تحت إمرة الحاكم بأمر الله الفاطمي، وكانت القاهرة عاصمة للنشاط الثقافي في علوم اللغة و العلوم الأخرى وكل شيء، كما نذهب نحن الآن إلى باريس وغيرها ...الخ ، وقد سكن بجوار الأزهر.

ولم يسجن ابن الهيثم اطلاقاً، ولا يوجد إلا مصدر واحد يقول بهذا، و هي قصة خرافية. وللأسف، ما زال هذا الخطأ مستمر وقد استغله البعض الآن لعمل فيلم عن ابن الهيثم وسجنه في مصر. أما القول بأنه كتب كتاب المناظر هناك، فلا ندري. ولكني متأكد أنه في سنة 1015 كتب كتاب ضوء القمر، وأما كتاب المناظر محتمل بعد أو محتمل أثناء هذا، لأن الكتاب كبير و يتكون من سبع أجزاء، فمن المؤكد أنه استغرق وقتاً طويلاً في كتابته ككل المؤلفين الكبار. فأرجو من الناس ان تتنبه ولا يرددوا هذه الأكاذيب في هذا الموضوع.

اشتهر ابن الهيثم بكتاب المناظر وهو كتاب في الضوء والفيزياء، فهل كان فيزيائياً فقط؟

نعم، اشتهر ابن الهيثم بكتاب المناظر وهذا حق لعدة أسباب، من ضمنها أولاً، يكفي أنه بهذا الكتاب (كتاب المناظر) وبمؤلفاته الأخرى عن الضوء أنه استطاع أن يغير مسار هذا العلم، أعني علم المناظر. ثانياً أن هذا الكتاب تٌرجم إلى اللاتينية وعمل عليه من سيستمر في دراسة علم الضوء مثل ديكارت و هويجنـز وكبلر والآخرون، والنسخة اللاتينية من الكتاب حُققت أخيراً بواسطة أحد الأساتذة وهو مارك سميث في أمريكا، وكان هذا عمل جيد وإن كنت لا أتفق معه في تفسيراته.

إن الخطوة المعرفية التي قام بها ابن الهيثم في كتاب المناظر هي خطوة هائلة، لأنها لا تخص المناظر فقط بل الفيزياء عامة، ولأنه في هذا الكتاب ولأول مرة دخلت معايير جديدة في الفيزياء وهي أن الفيزياء تتركز على شيئين: على الرياضيات وعلى المنهج التجريبي، وهذا لم يكن من قبل، فهذه الثورة المعرفية طبعاً هي التي ركز عليها العالم، إلا أن ابن الهيثم كتب 15 رسالة عن المناظر وكتب على الأقل 25 رسالة في الفلك وكتب عشرات الرسائل والكتب في الرياضة وكتب في الهندسة المسطحة وهندسة المخروطات والهندسة الكروية وفي كل فروع الهندسة، وكتب أيضاً في نظرية الأعداد رسالة مهمة جداً ......الخ.

إذن، خطوة معرفية أخرى خطاها ابن الهيثم في الفلك، وهذه الخطوة التي تمت في الفلك خطوة هامّة جداً ليس بمقدار الخطوة التي تمت في المناظر، ولكنها خطوة هامّة. المصدر الأساسي في الفلك هو كتاب بطلميوس (المجسطي) وقد كتب ابن الهيثم كتاب في الرد على بطليموس ينقد فيه ما قام به بطلميوس برد علمي ينقد فيه النموذج في الفلك، وقد كان لهذا الكتاب تأثير هام جداً في علم الفلك لأنه بعد هذا حاول الكثيرون مثل الطوسي في مدرسة مراغة و مثل ابن الشاطر في دمشق تعديل هذا النموذج و وضع نماذج أخرى تتفادى ما نقده ابن الهيثم على بطلميوس، و كان لمدرسة مراغة و ابن الشاطر أثر مباشر على كوبرنيكوس في كتابة الجديد في الفلك.

ابن الهيثم كان أعمق من كل هؤلاء، فلم يحاول أن يضع نموذجاً جديداً، و لكن نتيجة لخبرته في المناظر حاول أن يضع علماً جديداً، بمعنى أن يُدخل الحركة ويُدخل الزمان داخل الفلك، فخلق أول محاولة في السينماتيك السماوي. والمحاولة التي بعد ابن الهيثم هي محاولة كبلر ثم نيوتن إلا أن ابن الهيثم مثل كبلر لم يكن عنده نظرية الجاذبية، فتوقف عند هذا الحد، ولكنه هو أول من خلق السينماتيك السماوية وكان هذا هام جداً، واستعمل وسائل رياضية بعضها لم يكتشف قبل القرن الثامن عشر، وخصص الجزء الخامس من تحقيقات أعمال ابن الهيثم التي نشرتها لهذا الكتاب.

بالنسبة للرياضيات حدث ولا حرج، فهو من أدخل فكرة الحركة أيضاً، وهذا الذي كان يمنعه ويبطله أقليدس، ونقده عمر الخيام فيما بعد لأنه أدخل الحركة، ولكن إدخال الحركة في الهندسة أوجد هندسيات جديدة. وهنا لن أدخل في التفاصيل، ولكنه عمل على نظرية التوازي وحاول أن يحل مشكلة فرضية أقليدس الخامسة وأدخل فيها الحركة وكان هذا هام جداً وله أثر كبير فيما بعد. اشتغل على الهندسة الكروية وأعطى فيها، وعمل على هندسة المخروطات وغيّر فيها، وكتب في نظرية الأعداد وأنتج فيها..... الخ

من المعلوم أن العلم تراكمي، وفي كتابكم " الهندسة وعلم المناظر في ضحى الإسلام"، ذكرتم أن هناك علماء آخرين مع ابن الهيثم، لم يحظوا ربما بنفس شهرته، وقد كان لكم سبق واكتشاف لدور هؤلاء العلماء، كأبي العلاء ابن سهل والقوهي وغيرهم، فهل لك أن توضح لنا ذلك؟

بالنسبة للعلم كما بالنسبة لأشياء عديدة أخرى في النشاط الإنساني دائماً العلماء الكبار كما قال الكندي يقفون على أكتاف علماء كبار قبلهم، وهذه القاعدة تنطبق أيضاً على ابن الهيثم. فقبل ابن الهيثم، كانت دراسات المناظر العربية في عدة اتجاهات: اتجاه في العمل على المرايا المحرقة أو كما يسمونها المحروقات، هذا بدأ مع الكندي خاصة وهو الذي توفي في منتصف سنة 860 و كتب كتاب في الشعاعات درس فيه المرايا المحرقة. وكان العرب يعرفون ما أتى به اليونانيون وكله ترجم تقريباً، حتى أن الآثار اليونانية فقدت باللغة اليونانية ووجد بعضها بالعربية، وهذا ما ذكرته ونشرته في كتاباتي. الكندي هو من أوائل من عمل في المرايا المحرقة وفي المناظر في نفس الوقت، وكتب كتاب هام جداً في المناظر ونقد أقلديس في كتاب آخر. والكتاب الأول ترجم إلى اللاتينية تحت اسم De aspectus، وهذا الكتاب نشر وعمل عليه.

واستمرت الأبحاث في هذا، ثم جاء أبو العلاء بن سهل و وضع سؤال لم يضعه سابقيه، فقبل العلاء بن سهل كان يُفَكّر كيف يكون الإحراق بواسطة الانعكاس على المرايا؟  بينما هو وضع سؤال: كيف يكون الإحراق بالانكسار في العدسات؟ وحتى يجيب على هذا السؤال بدأ يفكر في نظرية في العدسات، و هذه النظرية في العدسات لم توضع من قبل، وهو أول من وضعها. وكان قبل اكتشاف عمله هذا (من قِبَل رشدي راشد)، تُؤرخ للقرن السابع عشر. و من أجل أن يتم هذه النظرية في العدسات، أي كيف يتم الاحراق في العدسات، اكتشفَ قانون الانكسار الذي يسمى قانون سنل أو قانون ديكارت حسب المدارس، وفي الحقيقة الكثيرون الآن وبعد هذا الاكتشاف لأعمال هذا العالم الكبير، يريدون تسمية بقانون ابن سهل. هذا القانون، هو قانون الانكسار كما يعرف في كتب الفيزياء الأولية كما يعرف في كل مكان.

وحتى يكتشف هذا القانون أيضاً، بدأ يفكر في معاملات الانكسار، أي ربط الانكسار بالوسط، فلكل وسط معامل انكسار معين، وفكر في فكرة أنّ لا نهاية في معاملات الانكسار حسب شفافية الوسط، وهذا كتاب آخر، ونقله عنه ابن الهيثم بيده. ويذكر ابن الهيثم هذا الكتاب في رسالته عن الضوء نسبته لابن سهل. وابن الهيثم كتب فيما بعد كتاب في الإحراق بواسطة المرايا المحرقة، و في كتابه في المناظر رجع إلى مسألة الانكسار لبعض العدسات و هنا يظهر بشكل واضح، وهو ما برهنتُ عليه، باستعانته بالعلاء ابن سهل، هذا بالنسبة لهذا الموضوع. وبالنسبة لموضوعات أخرى مثال في الرياضيات بالنسبة للعمل في مساحة المجسم المكافئ، طبعاً، قبل ابن الهيثم كان هناك ثابت ابن قرة المتوفي سنة 901، ويوجد أيضاً القوهي، وابن الهيثم يذكر الاثنين، كما يذكر آخرين في مقالات أخرى. إذن، لفهم ابن الهيثم في الرياضيات وهذا ما حاولت وضعه في التقاليد المختلفة التي قبله، و ما بنى عليه مثلاً في ميدان المقطوع المخروطية.

هذا الإرث التليد لهؤلاء العلماء الكبار، هل أُعطي حقه؟ وهل دُرس في الوطن العربي دراسة تليق به؟ للأسف الشديد... لقد كانت هناك محاولات في الوطن العربي وكانت محاولات جادّة وهامّة في وقت من الأوقات، هذا حدث عندما قام بعض الأساتذة في القاهرة مثل مصطفى نظيف ومصطفى مشرّفه وغيرهم من العلماء. علماء الفيزياء والرياضيات قاموا بمحاولة للنهضة بهذا التراث وهذه المحاولات كانت مرتبطة بمحاولات سياسية ضخمة وهي النهضة بالتعليم والنهضة بالدراسات... الخ.

لقد ألف مصطفى نظيف أهم كتاب عن ابن الهيثم، وأنا أؤكد أن هذا الكتاب هو أهم ما كتب عن نظريات أو بصريات ابن الهيثم، ولهذا قمت بإصدارة من جديد مع مقدمة في بيروت أخيراً. بعد مصطفى نظيف ظهرت أجيال بعضها هاجر وبعضها توفي ولكن كانت هناك محاولة دائبة، فلقد شاركت في تأسيس معهد في حلب لتاريخ العلوم مع الأستاذ أحمد يوسف الحسن، وهو فلسطيني وكان أستاذ هندسة في جامعة حلب ومديراً لها، وأُعطيت له الفرصة أن يقوم بهذا وساعدته من أوروبا، ولكن هذه التجربة أخفقت لأسباب عديدة لن أدخل فيها، وبعدما ذهب الأستاذ أحمد يوسف الحسن وجاء شخص آخر. في بغداد حاولوا عمل معهد أيضاً ولكن للأسف أيضاً كان مصيره مصير معهد حلب. فأصبح الآن ليس هناك أي معهد لتاريخ العلوم العربية يستحق أن يسمى معهد في أي بلد عربي أو إسلامي. وكان موضوع تاريخ العلوم الدقيقة خاصة يعمل في أوروبا وأمريكا وروسيا في وقت من الأوقات وفي الاتحاد السوفيتي، قبل أن ينهار، هذه هي النقطة الأولى.

النقطة الثانية، لقد حدثت نتيجة عكسية لهذا حيث أصبح هذا الموضوع للتهريج العلمي أو للتجارة العلمية بمعنى أخذ بعض النماذج وعرضها هنا وهناك والتهليل الإعلامي، لكن دون دراسات علمية حقيقية بشكل أو بآخر في هذه الميادين، هذا هو الوضع الحالي للأسف الشديد، وإن لم يتهيأ بلد أو بلدان أو مجموعات للعمل في هذا الميدان فسيظل هذا العمل يتم في أوروبا أو أمريكا أو لا يتم اطلاقاً، ويضر أكثر مما ينفع. وللأسف الشديد، أن العرب أو المسلمون يعتبرون أنفسهم ورثة هذا الإرث، ولكن في الحقيقة هم ليسوا ورثة هذا الإرث. فالوريث هو الذي يعمل، وليس هناك عمل وأنا آسف جداً أن أقول هذا الكلام وبهذه الصورة، ولكن هذه هي الحقيقة.                                                                             

وكما ذكرت، ظهر جيل من العلماء الجيدين كمصطفى نظيف وعلي مصطفى مشرفه وغيرهم في جامعة القاهرة، ولكن ورثة هذا الجيل للأسف الشديد هم في الهجرة مثل عبد الحميد صبره، ممن هاجروا أو هُجّروا.

 

 

البريد الإلكتروني للكاتب: mmr@arsco.org

مواضيع ذات علاقة

0 التعليقات

أضف تعليقك