للبحث الدقيق يمكنك استخدام البحث المتقدم أدناه

يعتمد البحث السريع على الكلمات الموجودة داخل عنوان المادة فقط، أما البحث المتقدم فيكون في كافة الحقول المذكورة أعلاه

مآسي سياسية لأهل الكيمياء

  • الكاتب : أ.د/ احمد بن حامد الغامدي

    جامعة الملك سعود – الرياض

  • ما تقييمك؟

    • ( 5 / 5 )

  • الوقت

    11:26 ص

  • تاريخ النشر

    23 ديسمبر 2014

الكلمات المفتاحية :

بعد النكبة والمذبحة المروعة لحركة الاخوان المسلمين في سوريا في بداية الثمانينات من القرن الماضي اشتهرت مقولة مثيرة للجدل لمحدث العصر العلامة الشيخ ناصر الدين الألباني حيث قال: (إن من السياسة ترك السياسة). وقبل ذلك بعقود طويلة أطلقها حاسمة ومدوية الأمام المصري محمد عبده عندما قال: (أعوذ بالله من السياسية من لفظها ومعناها وحروفها) وفي رواية أخرى أن شدة حنقه منها وصلت لدرجة قوله (لعن الله ساس ويسوس وسائس ومسوس !!!). وهذا النوع من التحرز والتحوط السياسي ربما يستلهم أصوله من الحكمة العربية القديمة التي أبدع في توصيفها الشاعر العربي الكبير ابن الوردي عندما قال:

جانب السلطان وأحذر بأسه       لا تخاصم من إذا قال فعل

لقد جال ببالي هذا الخاطر الكئيب مؤخراً ليس بسبب الفواجع السياسية التي عمت وطمت العالم العربي من الماء إلى الماء، ولكن ينضاف لذلك حالة الصدمة والألم لخبر اعتقال زميل وعالم ومربي فاضل هو الدكتور بهجت الأناضولي وهو استاذ الكيمياء الفيزيائية بجامعة القاهرة والأمين العام المساعد السابق لاتحاد الكيميائيين العرب والذي تم اعتقاله مع آلاف من الأبرياء بتهم سياسية ملفقة من مثل التهم المعلبة الجاهزة (التحريض على ارتكاب أعمال عنف وشغب). وبالرغم من أن الدكتور بهجت الأناضولي (الذي عرفته عن قرب عند عملنا سوياً في الأمانة العامة لاتحاد الكيميائيين العرب)، لم يكن منخرطاً بشكل حقيقي في السياسة وكان متجهاً أكثر للجوانب العلمية والبحثية والأعمال الاجتماعية التربوية وأنشطة خدمة المجتمع، حيث كان مقرر لجنة الزكاة لجمعية خيرية، وكذلك قام بالإشراف على مستشفى خيري بالقاهرة يساهم بشكل إغاثي في تقديم الرعاية الصحية لذوي الدخل المحدود. من هذا وذاك تبرز الحقيقة المزعجة والمؤلمة والتي تكشف أن مآسي وويلات السياسة قد تصيبك حتى وإن لم تزاحم أهل السياسة في سلطانهم وحتى وإن جانبتهم وابتعدت عنهم طريقهم وفق وصية ابن الوردي الشعرية.

وقديماً  كان في الناس .. النكد

كما هو متوقع فإن ضحايا السياسة في كل وادٍ وفي كل بلد وفي كل عصر وزمان لذا عزائنا للدكتور بهجت الأناضولي أنه لن يكون أول (وطبعاً ليس آخر) كيميائي يتعرض لاضطهاد وتعسف أهل السياسة، فأسلافه من أهل صنعة الكيمياء الذين تعرضوا للفحات السياسة الحارقة كثر والملفت للنظر أن العديد منهم من مشاهير وأبرز علماء الكيمياء. فمن ذلك مثلاً، نجد أن الشخصية الكيميائية العربية البارزة جابر بن حيان نجده وبسبب نقمة هارون الرشيد عليه (بسبب قربه من البرامكة الذين نكل بهم ونكبهم الرشيد) يهرب من بغداد إلى الكوفة ويعيش بها لعدة سنوات متخفياً ومحتجباً عن الناس، حيث قاسى كثيراً وخلص من الموت مراراً.

وأما الكيميائي والطبيب المسلم الكبير أبو بكر الرازي فتعرض لمشكلة خطيرة مع حاكم خراسان المنصور بن اسحاق الذي عندما شك بأن الرازي قد يكون خدعة عندما أهدى له كتاب يثبت فيه صنعة السيمياء بتحويل المعادن إلى ذهب، ولهذا أمر الحاكم المنصور بن اسحاق بأن يضرب الرازي بالكتاب الذي ألفه على رأسه حتى يتقطع الكتاب مما تسبب في تعرض الرازي للعمى. ومن علماء الكيمياء الذين تعرضوا للمخاطر والأهوال بسبب السياسة نجد الاديب والكيميائي المسلم المعروف الطغرائي الذي قتل بأمر من السلطان السلجوقي محمود حاكم الموصل وذلك بعد انتصاره على أخية السلطان مسعود بن محمد والذي كان الطغرائي أحد وزرائه ورجال دولته.

مقيوله من زمان (الحبس للجدعان)

في العصور الحديثة وبسبب الحروب السياسية الطاحنة بين البلدان نجد أن ويلات السياسية بكل بساطة (وعدل) تشمل العلماء كما تشمل غيرهم من المطحونين من عامة الشعب. فهذا العالم البريطاني جيمس تشادويك Chadwick مكتشف النيترون (الحاصل على جائزة نوبل لعام 1935) عند اندلاع الحرب العلمية الأولى، اعتقلته السلطات الألمانية لمدة أربع سنوات تم احتجازه خلالهن في اسطبل للخيول. أما خلال سنوات الحرب العالمية الثانية فقد تعرض العالم الألماني اليهودي أوتو لوفي Otto Loewi (الحاصل على جائزة نوبل لعام 1936) والكيميائي النرويجي أود هاسل Odd Hassel (الحاصل على جائزة نوبل لعام 1969) للاعتقال في معسكرات الاعتقال النازية.

وعلى الجانب الآخر من طرف المعادلة السياسية نجد السلطات الغربية لدول الحلفاء تعتقل هي الأخرى بدورها خلال سنوات الحرب العالمية بعض كبار العلماء من معسكر الأعداء من أمثال الكيميائي النمساوي الأصل ماكس بيروتس Max Perutz (الحاصل علي جائزة نوبل لعام 1962) الذي عندما ارتحل إلى بريطانيا ليدرس درجة الدكتوراه في جامعة كيمبردج وكان ذلك في بدايات الحرب العالمية الثانية ثم سافر بعد ذلك إلى كندا تم اعتقاله لفترة من الزمن لمجرد لاشتباه السخيف به لأنه شخص أجنبي من دولة معادية.

في حين أن الكيميائي الألماني أوتو هان Otto Hahn والحاصل على جائزة نوبل لعام 1944نظير أبحاثه العلمية الرائدة حول الانشطار النووي كان قد عمل في وحدة تطوير وإنتاج الأسلحة الكيميائية للجيش الألماني أثناء الحرب العالمية الثانية، ولهذا وجدت بعض الشكوك أنه من المحتمل أن يكون قد تورط في المشاركة في المشروع الألماني النازي لإنتاج القنبلة الذرية ولهذا تم اعتقاله وايقافه لفترة من الزمن من قبل البريطانيين. ومن الكيميائيين الذين لهم أثر ملموس وتعرضوا للاعتقال للحبس من قبل الحلفاء نذكر الكيميائي التشيكي ألفرد بادر Alfred Bader مؤسس شركة Aldrich الكيميائية العريقة والذي أعتقل في أوائل شبابه في بريطانيا ثم تم ترحيله إلى كندا حيث سجن مع آلاف المعتقلين في حصن عسكري.

 ممنوع من الصرف .. ممنوع من السفر

وإذا كانت حالة المضايقة السياسية ضد العلماء من البلدان المعادية مفهومة من المنظور الأمني إلا أن الأمر البالغ الغرابة أن حالة الاضطهاد السياسي طالت حتى العلماء البارزين الذين يحمون جنسية دول الحلفاء نفسها. فبعد سنوات طويلة من نهاية الحرب قامت إدارة الهجرة الأمريكية باحتجاز العالمة الكيميائية الفرنسية إيرين Irene كوري بالرغم من شهرتها العلمية الدولية ليس فقط لأنها ابنة الأسطورة العلمية مدام كوري ولكن لأنها كذلك كانت هي بذاتها حاصلة على جائزة نوبل في الكيمياء لعام 1935 وبالرغم كذلك من حصول إيرين على تأشيرة سليمة وسارية المفعول لدخول أمريكا، والتهمة السخيفة لاعتقال إيرين كوري هو ميولها المتعاطفة مع الحركة الشيوعية حيث كانت تخطط لإجراء حملة جمع تبرعات للاجئين الاسبان. الطريف في الأمر أن إيرين كوري كانت قد تعرضت قبل ذلك وفي أواخر الحرب العالمية الثانية للتوقيف على الحدود السويسرية الفرنسية حيث قامت سلطات الاحتلال النازي لفرنسا باعتقالها لعدة أيام مع مئات النازحين في معسكرات الاعتقال وعندما علم لاحقاً والي وحاكم المنطقة باعتقالها أمر بنقلها من المعتقل لكنها رفضت أن تنال معامله خاصة عن بقية المعتقلين وأصرت أن تبقى معهم حتى إطلاق سراحها وبهذا كان (الأجلاف) الأعداء النازيين أكثر نبلاً في التعامل معها من الحلفاء الأمريكان.

وعلى ذكر تهمة التعاطف مع الشيوعية نجد وزارة الخارجية الأمريكية مرة أخرى تمنع شخصية علمية مرموقة مثل عالمة الكيمياء البريطانية دورثي هودجكن Dorothy Hodgkin (الحصالة على جائزة نوبل لعام 1964) من الحصول على تأشيرة الدخول إلى الأراضي الأمريكية لحضور اجتماع علمي عن تركيب البروتين. وسبب الشكوك الأمريكية حيال دورثي هودجكن أنها كانت من دعاة المنهج السلمي واللاعنف وكانت شخصية مسالمة pacifist لدرجة أنها عارضت المشاركة في الحروب وبعد الحرب العالمية الثانية أصبحت عضو مؤثر في منظمة العلم من أجل السلام، ولقد كان لها اهتمام خاص برعاية العلماء من الدول التي تعاني من الحصار والمضايقة من قبل الولايات المتحدة ولهذا كانت تعتني ببعض العلماء من الاتحاد السوفيتي والصين وفيتنام.

بمعرفة هذا النضال السياسي لدورثي هودجكن وبمعرفة أن كلاً من زوجها وكذلك مشرفها على رسالة الدكتوراه كانا من أعضاء الحزب الشيوعي في بريطانيا لهذا لا غرابة إذن أن تكون شخصية علمية غير مرحب بها على الاطلاق لدخول الأراضي الأمريكية، كما أنها ظلت لفترة حوالي ثلاثين سنة يتوجب عليها أن تحصل على إذن دخول خاص من قبل النائب العام الأمريكي وكأنها بذلك من عتاة مجرمي المافيا أو دهاة الارهابيين.

والمخجل والمعيب في حق السياسة الأمريكية أنه بنفس التهمة السخيفة بالتعاطف مع الشيوعية قامت وزارة الخارجية الأمريكية بسحب جواز السفر لأحد أهم علماء الكيمياء الأمريكيان على الاطلاق في القرن العشرين وهو لينوس باولنغ Linus  Pauling والذي استمر منعه من السفر لعدة سنوات ولم يلغى إلا تحت ضغط أن باولنغ حصل في عام 1954 على جائزة نوبل في الكيمياء وكان لابد من حضوره حفل استلام هذه الجائزة المرموقة عالمياً، ولهذا شعرت الحكومة الأمريكية أن استمرار منعه من السفر حتى لهذا الحدث العلمي سوف يسبب لها فضيحة وكارثة شعبية. الجدير بالذكر أن لينوس باولنغ هو الشخص الوحيد في التاريخ الذي حصل على جائزة نوبل مرتين وبشكل منفرد مرة في الكيمياء ومرة في السلام بسبب جهوده وحملاته الداعية لفرض رقابة دولية على الأسلحة الذرية. وكإشارة إلى الأثر السياسي الكبير الذي حصلت عليه حملته العالمية المناهضة لإجراء التجارب النووية أنه تم تحديد اليوم الذي بدأ فيه سريان اتفاق حظر التجارب النووية بنفس اليوم الذي حصل فيه باولنغ على جائزة نوبل للسلام وذلك في العاشر من شهر أكتوبر لعام 1962.

الفوز بجائزة نوبل مع وقف التنفيذ

قد يكون الكيميائي الأمريكي لينوس باولنغ محظوظاً بعدم تفاقم المشاكل السياسية لدرجة أن يتم حرمانه من حفل استلام جائزة نوبل، لكن العديد من العلماء حال الاضطهاد السياسي لهم دون استمتاعهم الكامل بأهم لحظات عمرهم: وهي (لحظة استلام جائزة نوبل). هذا بالضبط ما حصل للكيميائي الألماني أدولف بوتنانت Adolf Butenandt الذي بالرغم من حصوله على جائزة نوبل في الكيمياء لعام 1939 لأبحاثه حول الهرمونات الجنسية إلا أنه منع من قبل النظام النازي الألماني (مع علماء آخرين حصلوا على هذه الجائزة في الأفرع العلمية الأخرى) من قبول واستلام هذه الجائزة المرموقة لأن (سميّه) أدولف هتلر غضب بشدة عندما تم منح جائزة نوبل للسلام لكاتب يهودي سجن في معسكرات الاعتقال النازية وتعرض للتعذيب ونجى من المعتقل ومن ثمّ تمّ منحه جائزة نوبل للسلام ولهذا قرر هتلر منع أي عالم أو أديب ألماني من قبول جائزة نوبل.

نفس هذه المأساة العلمية تكررت مع الكيميائي النمساوي ريتشارد كوهن Richard Kuhn الذي منعته هو الآخر السلطات النازية من قبول جائزة نوبل في الكيمياء التي نالها عام 1938 نظير أبحاثه عن الفيتامينات. الجدير بالذكر أن كلا هذين الكيميائيين المحرومين من الجائزة سوف يستلامان هذه الجائزة العريقة بأثر رجعي بعد انتهاء سنوات الحرب وهو ما تم لأدولف بوتنانت في عام 1947 ولريتشارد كوهن في عام 1949.

اللافت للأمر أن لؤم أهل السياسة واضطهادهم لأهل العلم والكيمياء بحرمانهم من تسلم هذه الجائزة الأسطورية لم يتوقف على النازيين، بل أن البريطانيين ارتكبوا نفس هذه الخطيئة الشنيعة حيث أنه نتيجة لاعتقالهم عالم الكيمياء الألماني أتو هان الذي سبق أن ذكرنا أنه حصل على جائزة نوبل لعام 1944 تسببوا في حرمانه من استلام جائزة نوبل. على كل حال نجد علماء آخرين لم يستلموا هذه الجائزة ليس بسبب الاعتقال أو المنع ولكن بكل بساطة أنه تعذر عليهم السفر إلى إستكهولم عاصمة السويد أثناء سنوات الحرب وهذا ما حصل تماماً مع عالم الكيمياء الألماني ريتشارد فيلشتيتر Willstatter (الحاصل علي نوبل لعام 1915) التي حالت فوضى وويلات الحرب العالمية الأولى دون امكانية سفره (على كل حال سوف يستلمها لاحقا في عام 1920) بينما الحرب الطاحنة والضروس أثناء سنوات الحرب العالمية الثانية تسببت هي الأخرى بدورها في عدم تمكن الكيمياء الكرواتي ليوبولد ريزيكا Leopold Ruzicka من السفر لاستلام جائزته التي حصل عليها في عام 1943.

خسارة حربية فادحة .. مصرع العلماء !!

صحيح أن شؤم السياسة أفرزت حروب عالمية شعواء أحرقت الأخضر واليابس وتسببت في حرمان بعض العلماء من التمتع بلحظة استلام جوائزهم المرموقة، لكن هذه الضريبة السياسية والمصيبة العلمية لا تكاد تذكر بالمقارنة مع بعض المصائب والمآسي التي أصابت علماء آخرين بسبب هذه الحروب الكونية الملعونة. ومن أبرز ذلك أن بعض العلماء فقدوا أرواحهم وقتلوا في ساحات المعارك، وهو ما حصل بالضبط مع العالم البريطاني الشاب هنري موزيلي Moseley ذو الأثر الكبير في علم  الكيمياء باقتراح استخدام العدد الذري بدلاً من عدد الكتلة في ترتيب عناصر الجدول الذري. وحدث في أثناء اندلاع الحرب العالمية الأولى أن قام الشاب موزيلي بالتطوع في الجيش البريطاني فكان أن لقي مصرعه نتيجة رصاصة قناص اخترقت رأسه عندما كان يشارك في معركة في إحدى المدن الساحلية التركية وهو بعد في سن الثامنة والعشرين من العمر مما حدا بالحكومة البريطانية لاحقاً القيام بإصدار قانون يعفي العلماء من الخدمة العسكرية.

وفي نفس النسق نجد أن مصرع الكيميائي الألماني إدوارد بخنر Buchner الحاصل علي جائزة نوبل في الكيمياء لعالم 1907 حصل بعد تطوعه هو الآخر للقتال في صفوف الجيش الألماني مما أنتهى بتعرضه لإصابة قاتلة أثناء مشاركته في القتال في رومانيا أثناء الحرب العالمية الأولى. أما صريع علم الكيمياء الأشهر بسبب السياسة فهو بلا شك عالم الكيمياء الفرنسي لافوازية حيث كان أحد أشهر ضحايا الثورة الفرنسية التي اسقطت مقصلتها الشهيرة ليس فقط رأس الامبراطور لويس السادس عشر وزوجته ماري أنطوانيت بل كذلك المئات من أركان وأعوان النظام الملكي الساقط والذين كان من جملتهم مدير شركة جني وتحصيل الضرائب والذي كان صاحبنا لافوازية سيء الحظ وشهيد العلم كما تصفه المراجع التاريخية.

ليس جميع العلماء تمثلت مصائبهم الشخصية من جراء السياسة في إزهاق أرواحهم فالبعض منهم تمثلت الفاجعة التي نزلت به في فقد بعض أفراد أسرته جراء الحروب السياسة الطاحنة. فهذا الكيميائي الألماني إميل فيشر Emil Fischer ثاني شخص في التاريخ يحصل على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1902 يخسر اثنين من أبنائه الثلاثة نتيجة المعارك الطاحنة خلال الحرب العالمية الأولى مما أصابه بالإحباط والاضطراب النفسي الحاد الذي انتهي به في النهاية على الاقدام على الانتحار.

وكذلك عالم الكيمياء الألماني البارز نيرنست Nernst  (الحاصل علي جائزة نوبل عام 1920) خسر هو الآخر اثنين من أبنائه اللذين قتلا جراء الحرب العالمية الأولى. ونفس هذه الفاجعة الأسرية تكررت مع الكيميائي الألماني البالغ الشهرة في الكيمياء العضوية اوتو ديلز Otto Diels الشهير بتفاعله المكتشف مع تلميذة كورت ألدر Kurt Alder (تفاعل ديلز-ألدر) ومن ثمّ حصلا على معاً علي جائزة نوبل في الكيمياء سنة 1950، فلقد خسر الكيميائي ديلز اثنين من أبنائه صرعى المعارك الحربية في الحرب العالمية الثانية. كان وقع الصاعقة على الكيميائي الفرنسي البارز لويس باستور جراء مقتل ولده الوحيد هائلاً وذلك بعد سلسة من الفواجع والمآسي المتمثلة في وفاة بناته الثلاث وهنّ صغاراً لذا تضاعفت مصيبته العائلية بمقتل ابنه الوحيد المتبقي له. لقد فقد في احدى المعارك التي انهزم فيها الجيش الفرنسي على يد الألمان ولهذا لم يغفر باستور للألمان أبداً تلك الفجيعة النفسية التي تسببوا له بها لدرجة أنه رفض أن يقبل الوسام الذي رغبت الحكومة الألمانية ان تمنحه له اعترافاً بإنجازاته العلمية.

وإذا كان بعض العلماء فقدوا ابنائهم كنتيجة للآثار السياسية المريرة تعرضت شريحة أخرى من العلماء لمصيبة فقد الآباء، وهو ما حصل مع الكيميائي البولندي الأصل روالد هوفمان Roald Hofmann الحاصل على نوبل في عام 1981 والذي ولد قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية بسنتين وعندما احتل الألمان موطنه عام 1941 قاموا بسجن آلاف اليهود البولنديين في معسكر اعتقال وكان من ضمنهم الطفل روالد هوفمان ذو الأربع سنوات مع والديه، وبعد سنتين من الاعتقال نجح أبوه في تهريب ولده الطفل وزوجته إلى خارج المخيم بينما تعرض الأب هوفمان للإعدام لمحاولته تنظيم عملية هروب أخرى من المخيم. كيميائي آخر شهير واجه طفولة بائسة بفقد الأب بسبب الاضطهاد السياسي وتلك كانت حالة الكيميائي الفرنسي الشهير جوزيف جاي لوساك Gay-Lussac الذي كان في حدود الحادية عشر من العمر عندما اندلعت الثورة الفرنسية وقد أعتقل والده وسجن لعدة سنوات لاقت فيها أسرته الكثير من الصعاب والمشاق.

الحرب .. خراب بيوت وخراب مختبرات

كما هو معلوم من العدد الهائل من عشرات الملايين من ضحايا الحروب أنه لا يشترط أن يشارك الشخص في القتال بشكل مباشر لتتسبب الحرب في مصرعه ومقتله، حيث ينتج غالباً مقتل العشرات أو حتى المئات بعد كل قصف مدفعي أو غارات جوية على المناطق السكنية، وفي أثناء الحرب العالمية الثانية تسبب القصف الجوي في إزالة وتدمير مدن ألمانية وبريطانية بكاملها.

وعلى ذكر الدمار الشامل للمباني والمنشآت العمرانية ليس من المستغرب أن يكون بينها منازل أو حتى مختبرات بعض مشاهير العلماء فجميع الرؤوس تحت مقصلة الحرب متساوية. لقد كان التدمير الشامل هو مصير منزل عالم الكيمياء الألماني هانز فيشر Hans Fischer (الحاصل علي جائزة نوبل لعام 1930) ومما زاد في مأساته ومعاناته الشخصية بسبب الحرب أن تسبب القصف الجوي للطائرات الحربية لقوات الحلفاء في تدمير مختبره الكيميائي بجامعة ميونخ وتحت ضغط هذه الفواجع والتدمير والخراب لمنزله ومختبره نجده يقدم بعد فترة زمنية قصيرة على الانتحار كما حصل بالضبط مع العالم الكيميائي الألماني إميل فيشر السابق الذكر.

وممن خسر مختبره العلمي نتيجة تدميره بسبب القصف الجوي الغاشم نجد كذلك عالم الكيمياء الألماني اوتو ديلز Otto Diels الشهير الذي فقد هو الآخر نتيجة القصف الجائر مختبره الكيميائي (الذي توصل فيه لاكتشاف التفاعل الشهير ديلز – ألدر الذي منحه جائزة نوبل) في جامعة كيل الألمانية وإن لم يتسبب ذلك في انتحاره ولكنه تسبب في تقاعده النهائي من الأبحاث العلمية قبل نهاية الحرب العالمية الثانية. ومن الأمثلة الاضافية لخسائر علماء الكيمياء في دول المحور (ألمانيا بالذات) جراء قصف طيران قوات الحلفاء لمدينة برلين أن تعرض مقر الجمعية الكيميائية الألمانية لتدمير شبه كامل. كما تم أثناء قصف الحلفاء للمدن الألمانية تدمير تمثال الكيميائي الألماني الشهير جوستاس ليبيغ Liebig الذي كان يقف أمام مختبر ليبيغ في جامعة مدينة جيسن Geissen وهو المختبر الذي خرج مئات الكيميائيين البارزين وربما يعد أهم مختبر على الاطلاق في تاريخ تعليم الكيمياء.

تلك كانت خسائر علماء الكيمياء التابعين لدول المحور أما علماء الكيمياء التابعين لدول الحلفاء فأشهر من تعرض مختبره للتدمير بسبب القصف الجوي الألماني للمدن البريطانية نجد الكيميائي الصهيوني حاييم وايزمان Chaim Weizmann (ذو الدور البارز في حصول اليهود علي وعد بلفور المشؤوم كما أنه كان أول رئيس للكيان الصهيوني) الذي عاش وعمل لفترة طويلة في بريطانيا والذي تعرض مختبره في لندن للقصف والتدمير أثناء الغارات النازية الجوية في بدايات الحرب العالمية الثانية ولعل من المناسب كذلك أن نذكر أنه بالإضافة لفقدان وايزمان لمختبره أثناء الحرب خسر كذلك ولده الطيار الذي اسقطت طائرته أثناء القتال على مياه المحيط الأطلسي القريبة من السواحل الفرنسية والاسبانية.

وعلى ذكر فرنسا وإسبانيا وتدمير المختبرات الكيميائية نجد أن من الطريف أن هذه التشكيلة تشترك في قصة حياة واحد من أشهر علماء الكيمياء في القرن الثامن عشر ألا وهو الكيميائي الفرنسي الأصل جوزيف بروست Proust الذي توصل لاكتشافه التاريخي عن قانون النسب الثابتة اثناء إقامته في إسبانيا عندما قامت الحكومة الاسبانية باستقطاب هذا الكيميائي الفرنسي إلى أراضيها ليقوم بتطوير الأبحاث الكيميائية ذات الطابع الصناعي. ولكن عندما وقعت إسبانيا تحت الاحتلال الفرنسي في عام 1808 داهمت قوات نابليون العاصمة مدريد وعاثت في المدينة خراباً ودماراً وهو الدمار الذي طال كذلك مختبر بروست الكيميائي المجهز جيداً. وكردة فعل غاضبة من جوزيف بروست بسبب الدمار والسلب لمختبره من قبل قوات نابليون الغازية نجده لاحقاً يرفض أن يتعاون مع نابليون عندما طلب منه بأن يترأس ويشرف على تشييد المصنع المخصص لاستخلاص سكر العنب كتعويض عن السكر المكرر الذي قطع خطوط إمداده الحصاري البحري البريطاني.

ومن علماء الكيمياء القدامى الذين فقدوا مختبراتهم بسبب شؤم السياسة نذكر عالم الكيمياء البريطاني الشهير جوزيف بريستلي Priestley مكتشف عنصر الاوكسجين الذي تعرض في عام 1791 لهجوم همجي من دهماء الناس نتج عنه إحراق الغوغاء لمنزله ومختبره ومن ثمّ أجبر على الهروب من مدينة برمنجهام ومغادرة بريطانيا برمتها إلى أمريكا وذلك بسبب تعاطفه ودعمه للثورة الأمريكية والمنشقة عن الإمبراطورية الانجليزية حيث كان يدعم رغبات أصحاب المستعمرات البريطانية في الاستقلال عن التاج البريطاني.

تغريبة بني هلال الكيميائية

على ذكر اضطرار بعض العلماء للهروب والنزوح من بلده إلي بلد المهجر بسبب الاضطهاد السياسي والحروب الطاحنة لا يتسع الوقت هنا لاستعراض قصص وأخبار فرار المئات من أبرز العلماء اليهود وغير اليهود من ألمانيا النازية ومن بلدان أوروبا الشرقية ولجوئهم إلى بريطانيا وأمريكا، لكن سوف نكتفي بذكر الأخبار الواردة في ذلك مما له علاقة برجال علم الكيمياء البارزين. حيث كان في جملة الفارين (بعلمهم) الكيميائي الهولندي بيتر ديباي Debye الحاصل على نوبل في الكيمياء عام 1936 والكيميائي البولندي الأصل روالد هوفمان Roald Hofmann الحاصل على نوبل في عام 1981 وزميله الكيميائي النمساوي كارل دجيراسي هو Carl Djerassi المشهور بأبو (مخترع) حبوب منع الحمل (The Bill). وكذلك أجبر على الهجرة الكيميائي المجري الأصل جورج أولاه Olah الحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء العضوية عام 1994 والكيميائي الألماني ريتشارد فيلشتيتر Willstatter الحاصل علي نوبل لعام 1915.

ومن ضحايا الاغتراب عن الأوطان يعد منهم الكيميائي الألماني الشهير في علم الكيمياء الحيوية هانز كربس Krebs الحاصل على جائزة نوبل عام 1953 وزميله الكيميائي الألماني فريتز ليبمان Lipmann الذي شاركه في الحصول على جائزة نوبل في نفس سنة 1953 نظير ابحاثه الرائدة حول الأنزيمات. ومنهم كذلك الكيميائي المجري الأصل جورج هيفسي Hevesy الحاصل على جائزة نوبل عام 1943 وأما مواطنه الكيميائي المجري الأصل جون بولاني John Polanyi الحاصل على نوبل عام 1986 فيمتاز بتعرضه للترحيل والتهجير القسري مرتين أولاهما في طفولته عندما هاجر مع أسرته من برلين إلى بريطانيا والثانية في شبابه حيث هاجر بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية من بريطانيا إلى كندا.

عزاء أهل الأدب لمنكوبي أهل الكيمياء

وختاماً كلمتي لأستاذي وزميلي القدير الدكتور بهجت الأناضولي نموذج أهل علم الكيمياء الذي تعرض للاضطهاد وطغيان أهل السياسة، أن عليك بالصبر  والاحتساب على صعاب الحياه و وعثائها، وإن شاء الله يعجل الله بتفريج كربتكم وأطلاق سراحكم وساعتها سوف نردد إن شاء الله سوياً الأبيات الخالدة للشاعر والسياسي اليمني محمد الزبيري:

 خرجنا من السجن شم الأنوف      كما تخرج الأسد من غابها
نمر على شفرات السيوف        ونأتي المنية من بابها
 ونأبى الحياة، إذا دنست          بعسف الطغاة وارهابها
     ستعلم أمتنا أننا              ركبنا الخطوب حناناً بها
فإن نحن فزنا فيا طالما           تذل الصعاب لطلابها
وإن نلق حتفاً فيا حبذا       المنايا... تجيء لخطابها
أنفنا الإقامة في أمة            تداس بأقدام أربابها
وسرنا لنفلت من خزيها       كراماً، ونخلص من عابها

 

وقبل ذلك أطلقها قاطعة وفاصلة الشاعر العربي القديم علي بن الجهم الذي لم يجد في تعرض الكريم للسجن والحبس من عيب أو منقصة:

قالَت حُبِستَ فَقُلتُ لَيسَ بِضائِرٍ    حَبسي وَأَيُّ مُهَنَّدٍ لا يُغمَدُ
وَلِكُلِّ حالٍ مُعقِبٌ وَلَرُبَّما    أَجلى لَكَ المَكروهُ عَمّا يُحمَدُ
وَالحَبسُ ما لَم تَغشَهُ لِدَنِيَّةٍ    شَنعاءَ نِعمَ المَنزِلُ المُتَوَرَّدُ
بَيتٌ يُجَدِّدُ لِلكَريمِ كَرامَةً    وَيُزارُ فيهِ وَلا يَزورُ وَيُحفَدُ
وَاللَهُ بالِغُ أَمرِهِ في خَلقِهِ    وَإِلَيهِ مَصدَرُنا غَداً وَالمَورِدُ
وَلَئِن مَضَيتُ لَقَلَّما يَبقى الَّذي    قَد كادَني وَلَيَجمَعَنّا المَوعِدُ

 

البريد الإلكتروني للكاتب: ahalgamdy@gmail.com

هذا والموقع يساعد المؤلف على نشر إنتاجه بلا مقابل من منفعة معنوية أو مادية، شريطة أن يكون العمل متوفراً للنسخ أو النقل أو الاقتباس للجمهور بشكل مجاني. ثم إن التكاليف التي يتكبدها الموقع والعاملون عليه تأتي من مساعدات ومعونات يقبلها الموقع ما لم تكن مرتبطة بأي شرط مقابل تلك المعونات.

ترخيص عام

الموقع قائم على مبدأ الترخيص العام للجمهور في حرية النسخ والنقل والاقتباس من جميع المحتويات والنشرات والكتب والمقالات، دون مقابل وبشكل مجاني أبدي، شريطة أن يكون العمل المستفيد من النسخ أو النقل أو الاقتباس متاحا بترخيص مجاني وبذات شروط هذا الموقع، وأن تتم الاشارة إلى منشورنا وفق الأصول العلمية، ذكرا للكاتب والعنوان والموقع والتاريخ.

مواضيع ذات علاقة

1 التعليقات

  • تماضر18 سبتمبر, 202007:01 ص

    مقالة

    مقالةجيدة بارك الله فيكم

    رد على التعليق

    إرسال الغاء

أضف تعليقك