للبحث الدقيق يمكنك استخدام البحث المتقدم أدناه

يعتمد البحث السريع على الكلمات الموجودة داخل عنوان المادة فقط، أما البحث المتقدم فيكون في كافة الحقول المذكورة أعلاه

تاريخ العلوم فيما بين فلسفة العلوم والتاريخ

  • أ‌.د. رشدي راشد

    فيلسوف ومؤرخ للعلوم الرياضية العربية

  • ما تقييمك؟

    • ( 5 / 5 )

  • الوقت

    12:12 م

  • تاريخ النشر

    30 يناير 2019

أي اختصاص معرفي هو "تاريخ العلوم"؟ هذا الاختصاص الذي ظل ينتسب منذ بدايته، باعتباره نشاطاً مستقلاً في القرن الثامن عشر، إلى الإبستيمولوجيا (فلسفة العلوم) والتاريخ معاً؟ فلو فكرنا في أعمال كوندرسيه (Condorcet) سواء في "المخطط الإجمالي" (Esquisse) أم في التقريظات الأكاديمية (Éloges Académiques) أو فكرنا في أو غست كونت (Auguste Comte) وفي دور الذي يوليه إلى تاريخ العلوم في "دروس في الفلسفة الوضعية" (Cours de philosophie positive)، وإذا اقتربنا أكثر من زماننا الحاضر ذاكرين على سبيل المثال ج.نيدام (J.Needham)، فإننا نطرح السؤال نفسه: هل يمثل تاريخ العلوم اختصاصاً معرفياً حقاً وما هي بالتحديد منزلته بين الإبستيمولوجيا والتاريخ؟

أما الجزء الأول من السؤال (هل هو فعلاً اختصاص معرفي؟) فينحل بسرعة. إن تاريخ العلوم، كما يتبادر في كتابات المنتسبين إليهِ لا يمثل فناً مختصاً، بل ميدان نشاط. إذ ينقصه مبدأ التوحّد الذي قد يمنحه القدرة والوسائل الكفيلة بتمييزه عن طريق الإقصاء: إن أي ميدان للممارسة لا يقصي، بل هو يتوسع توسعاً غير محدود وذلك بإضافات متواترة، إنه عنوان لمواضيع مختلفة ومتنافرة وليس فناً مختصاً ذا تعريف إجرائي. لذلك تتجاور في تاريخ العلوم المذاهب المختلفة وتتعارض انطلاقاً من توجّهات واعتقادات يقصي بعضها بعضاً. فيرى البعض، وهم غالبية، أن تاريخ العلوم هو تاريخ للأفكار بالمعنى المعروف للعباره أي تاريخ للعقليات. في حين يرى البعض الآخر، وهم أكثر صرامة وفطنة، أن تاريخ العلوم هو تاريخ المفاهيم العلمية، تاريخ تكوّنها وتطوّرها وتعديلها. ويرى آخرون، وهم مؤرخون في أصل تكوينهم، أنه لا يبالي بالمفاهيم وبطبيعتها الخاصة، بل أن تاريخ العلوم قد يكون تاريخ إنتاج ثقافي على غرار تاريخ الرسم أو تاريخ الأديان. ولنذكر أيضاً أولئك الذين يجعلون منه ضرباً من علم النفس الاجتماعي للعلماء، وكذلك الذين يجعلون منه علم اجتماع ميداني على النحو الذي تطوّر عليه علم الاجتماع إثر الحرب العالمية الثانية بالولايات المتحدة على وجه الخصوص، أي علم اجتماع للجماعات والمخابر والمؤسسات. لم يكتمل هذا الثبت بعد، فهذا التنوّع يتزايد تزايداً لا تقتضيه ضرورة داخلية للبحث في تاريخ العلوم، بل بتأثير استيراد مستمر لرؤى ولمناهج العلوم الإجتماعية.

يبدو هذا التكاثر وكأنه هروب إلى الأمام قد يُغني عن الإجابة عن الجزء الثاني من السؤال:  ما هو موقع تاريخ العلوم فيما بين الإبستيمولوجيا والتاريخ؟ إلا أن هذا السؤال إن تركناه في الخفاء، يجبرنا – شئنا أم كرهنا – على الإفصاح عن موضوع تاريخ العلوم. كل الصعوبة، وهي ذات بال، تمثل في التعبير عن الشيء الذي يؤرّخ له بدون التحيز إلى اختيار اعتباطي وبدون تسليط منهجية معينة، تجريبية كانت أو متعالية (Transcendantale). لذلك، تجنباً لهذه الصعوبات، يبدو لي من الأنسب أن ننطلق "من الأشياء نفسها" كما يقال، أي من الأعمال العلمية ومن السنن التي تندرج ضمنها.

يتفق الجميع على أن كل عمل علمي ينتمي إلى سنّة واحدة على الأقل وفي كثير من الحالات إلى سنن عديدة – معروفة كانت أو غير معروفة – يتحدّد معناه بالنسبة إليها. يعني هذا أن الإبداعات الفرديه تبقى غير مفهومة – مهما بدت ثورية – إن لم يقع إدراجها داخل السنن التي شهدت ولادتها. وإذا كان المقصود بــ "العمل العلمي" نتيجة مقررة وفقاً لمعايير البرهان الدقيقة ومثبتة في نص أو محققة في موضوع أو أداة ما، فإننا نعطي مؤقتاً لعبارة ((السنّة)) المعنى العام والعادي الذي يتميز بعدم عزل العمل العلمي عن الجماعة التي ينتسب إليها العالم الذي بادر بتصوره. فلنبدأ باعتبار معنى السنّة هذا.

يسلّم مؤرخو العلوم عن طواعية، ومهما كانت ولاءاتهم المذهبية أن إعادة تشكيل السنن العلمية هي واحده من مهماتهم الجوهريه. إلا أن مسالكهم نحو هذا الغرض مختلفة ومتشعبة. وفعلاً، فإن جزءاً هاماً من الجدل الدائر حول المنهجية في تاريخ العلوم يحيل إلى هذا التنوع في تصورات السنّة وطبيعتها. ويبدو المشروع لأول وهلة سهلاً ويكاد يكون فورياً:  أليست السُّنن معطاه في الأسماء والعناوين والمؤسسات وفي شبكات تكفل تبادل المعلومات والأشخاص بين أقطاب ومراكز وبين مواقع وصيغ التعليم. تبدو السنن وكأنها يمكن التعرف عليها مباشرة: إذ يحدّث عن سنّة نظرية الأعداد الأقليدية، وعن سنة الوازان (wasan) الياباني، وعن سنّة المدرسة الجبرية الإيطالية في القرن السادس عشر، وعن الفيزياء الكوانطية الإنجليزية في العشرينات، أو عن الرياضيات البورباكيه (mathématiques Bourbakistes). لا شك أن هنالك بعض الحالات الاستثنائية، لكنها تؤكد القاعده، أعني مثلاً السنّة – أو السّنن – الإسكندرانية التي تبلغ نهايتها في أعمال ديوفنطس التي نجهل مع ذلك كل شئ عنها. كيف لا يغتر المؤرخ بوصف هذه الظواهر إذ هي بادية التميّز، أي الأشخاص والعناوين والمؤسسات؟ وتطغى فعلاً هذه النزعة على قسم هام من المدوّنات التاريخية التي تقدّم نفسها بتسميات مختلفة: تاريخ الأفكار، التاريخ الاجتماعي للعلوم، إلخ.

غير أنه يصعب على المرء حصر السنّة وتقريره إن لم يكتف بمجرّد الوصف المادي. فكيف يمكنه عزل السنّة الواحدة وكيف يعيّن لها بداية ونهاية، وكيف يرسم حدودها بدون إجراء قطيعة تعسفية في جملة التاريخ الحيّ ذي الحركية اللا محدودة؟ وماذا يمكن لوحده السنّة أن تؤسسه إذا كانت هذه السنّة تتطور بمرور الزمن؟ ثم، لِمَ تنشأ السنّة، ولِمَ تنتهي؟ وإلى أي نظام يخضع وجودها؟

يبدو أنه لا توجد أجوبة قَبْلية على هذه الأسئلة. مع ذلك، فإن المؤرخ لا يكون عند مجرد الوصف إلا في بداية عناءه. فما أن يشرع في عملية إعادة تشكيل السنّة العلمية حتى يتبدّد وهمه:  تتلاشى السهولة البادية ويتجلى عجز المعطيات المادية – من أسماء وعناوين ..إلخ – على رسم حدود السنّة مع السيطرة على تشعباتها.

لنحاول توضيح ذلك بوصف المراحل التي ترسم عملاً ما في تاريخ العلوم. يتعيّن على المؤرخ في مرحلة أولى أن يقدّم العمل العلمي – قانون رياضي، نتيجة فيزيائية، رصد فلكي أو تجربة بيوكيميائية إلخ...– في وجوده المادي: يجب عليه أن يفحص الرسوم، والنقائش، والبرديات والنصوص المخطوطة منها والمطبوعة، ويجب عليه أن يكرر التجارب ويعيد تشكيل الأشياء  إذا اقتضى الأمر. تساهم كل هذه الإجراءات في إعادة بناء السنّة النصية أولاً ثم السنّة التقنية...، وبعبارة مجملة في إعادة بناء السنة "الشيئية". ومع أن هذا البحث لا يستقل تماماً في العديد من الحالات عن مضمون العلم العلمي نفسه، فإنه يتطلب خبرات مختلفة عن المعرفة العلمية، تلك الخبرات التي تنتسب إلى اختصاصات تاريخية مختلفة كعلم الآثار، وعلم النصوص القديمة (codicologie) وعلم المخطوطات وفقه اللغة وتاريخ التقنيات، إلخ.

إن هذا المستوى من التحليل ضروري لكنه غير كاف، إذ تبقى إعادة البناء هذه بعيدة عن استنفاد العمل العلمي ولا تطلعنا إلا على أصالته النصية والتقنية وكذلك على شبكات المسالك التي ينتقل عبرها والسياق الاجتماعي الذي صمّم وركّب داخله. كل هذه العناصر هامة بلا شك،  لكنها لاتوضّح لنا موقع العمل العلمي داخل العلم الذي ينتمي إليه. والأخطر من ذلك أننا نبقى في هذه المرحلة غير قادرين على إدراك التباينات التي قد تطبع عمل العالم الواحد. ترسيخاً لهذه الملاحظات، لنعتبر على سبيل المثال عمل فرما (fermat) في نظرية الأعداد. فقد أعاد كل من ب. تانري (P. Tannery) وش. هنري (Ch.Henry) تركيب السنّة النصية لهذا العمل وكذلك شبكات التبادل التي انعقدت حوله وبوسع المرء تدقيق البحوث حول ظرفها الاجتماعي وتكثيفها. لكن موقع فرما داخل نظرية الأعداد لم يحدّد بعد. هل هو عمل جبري ينتسب إلى سنّة فيات (Viète) في نظرية الأعداد مثلاً؟ أم هوعمل تنزّل لاحقاً في الهندسة الجبرية كما يؤكد أ. فايل (A.Weil)؟ أم هومجرد نظرية حسابيه أولية؟ لقد سبق ان توصلت إلى بيان أن أعمال فرما ليست من متن واحد إذ كان يشقها – حوالي سنه 1640 – خط تصدّع بين جزءين. فهنالك جزء من أعمال فرما ينتمي فعلاً إلى سنّة الجبريين، في حين يندرج جزء آخر داخل التحليل الديوفنطسي الصحيح (نسبة إلى الأعداد الصحيحة). يقتضي فهم فرما الأرثماطيقي تصورين للرياضيات لا تصوراً واحداً، أي سنّتين مفهومتين، ترجع الأولى إلى الجبريين مروراً بباشي دي ميزيرياك (Bachet de Méziriac)، أما السنّة الثانية، فإنها تجدّد – على أعقاب أعمال لرياضيين مثل الخازن التي تناولها من جديد فيبوناشي (Fibonacci) في كتابهLiber Quadratorum  - نظرية الأعداد بفضل أول اختراع لطريقة أرثماطيقية في البرهان هي طريقة ((النزول اللامتناهي)). فإذا رمنا تحديد الموقع التاريخي لعمل فرما في نظرية الأعداد، فإننا مضطرون إلى الانتقال إلى مستوى آخر للتحليل وأن نلتزم هذه المرة بإعادة تشكيل السنّة المفهومية. إن مثال فرما بعيد عن أن يكون شاذاً، بل يبدو الأكثر شيوعاً، سيّما في ما يخص العلماء الذين استطاعوا تغيير مجرى العلم الذي ينشطون فيه. فلنقتصر على ذكر بعض الأمثلة القديمة من العلم الفرنسي: ديكارت (Descartes) وتمييزه الخصب داخل الهندسة الجبرية بين "المنحنيات الهندسيه" و"المنحنيات الميكانيكية"، وكذلك أمبار (Ampère) في الفيزياء لما عدل عن تفسير الكهرمغناطيسية بالاعتماد على المغنطيسية مفضلاً النهج المعاكس، لنذكر أيضاً فرنل (Fresnel) لما دافع على ضرورة الارتجاجات المستعرضة أي المتعامدة مع الشعاع، مخالفاً في ذلك التصوّر السائد. لا يحق لمؤرخ العلوم باعتباره مؤرخا أن يستغني عن إعادة بناء السنّة أو السنن المفهومية، أي عن هذا العمل الإبستيمولوجي.

تتصدى هذه المسيرة عوائق أخرى تجد منشأها في جدلية قائمة بين كثرة متنامية واستقرار أساسي. هناك نتيجه عامة تفرض نفسها بعد دراسة العديد من السنن، وهي أنه لا يمكن تفسير عمل علمي ذي بال في حدود سنّة مفهومية واحدة حتى لو كانت تلك السنة هي التي كان فيها لذلك العمل أكبر إسهام. ومن جهه أخرى فإن السنّة المفهومية  التي تعدّ ذات قيمة هي التي تتميّز بضرب من الاستقرار مهما تنوّع المؤلفون ومهما تنوعت إسهاماتهم فيها. تبدومسيرة السنة المفهومية خاضعة لضرورتين فيهما مفارقة قليلة. فهنالك ضرورة استنفاذ كل الإمكانات المنطقية التي يتيحها نمط معيّن ومقرّر من العقلانية من ناحية، ثم هناك ضرورة  إصلاح تلك العقلانية ووسائلها قصد استيعاب ظواهر جديدة لا يمكن فهمها في نطاق تلك العقلانية وبتلك الوسائل. لتمثيل ذلك يكفينا التمعّن في السنّة الأرشميدسية في رياضيات لامتناهي الصغر أو في السنّة الأقليديسية في نظرية التوازيات، إلخ... لكن إضافه إلى هذه العوائق، فإنه يجب اعتبار مسأله "الأسلوب" العلمي الذي يميّز سنّة ما ويختم هويتها خلف الكثره وبعيداً عن تنوّع الصيغ والتغييرات التي تحدّد شكلها، إن هذا الأسلوب لا يعكس العقلانية المهيمنة فحسب، بل يعكس أيضاً إجراءات العرض الخطابية من حيث اللغة المعتمدة وأدوات الترميز والرسوم البيانية، إلخ... وتكمن الصعوبة كلها في عزل هذا "الأسلوب"، وعزله هذا هو الذي يمكننا من وضع العمل العلمي – فردياً كان أو جماعياً – في سياقه، ومن ثمة التعبير عن معناه. يبدو أنه لايمكن تجنّب هذا النهج الفينومينولوجي لمن يروم تولية السنّة المفهومية دورها الترتيبي الذي به يمكن إيضاح ترابط الأعمال الناسجة لها.

تبدو عبارتا "السنة الشيئيه" – التي تكون السنّة النصية جزءاً منها – و "السنة المفهومية" ترجمات ملموسة لمسألة موقع تاريخ العلوم فيما بين التاريخ الاجتماعي والإبستيمولوجيا. فباعتباره عنصراً من سنّة "شيئية" يكون الإنجاز العلمي إنتاجاً مادياً وثقافياً، أي إنتاجاً لأناس معينين في مكان وزمان محددين. ويتعين على المؤرخ البحث عن الشروط الاجتماعية والمادية لهذا الإنتاج وفقاً لما نصح به ماركس (Marx). لكن من وجهة اعتباره جزءاً من السنّة المفهومية، فإن الإنجاز العلمي يتطلب أيضاً تحليلاً لبنيته المفهومية  من شأنه أن يجلي معناه، بحيث يمكن معناه هذا من تحديد فكرة السنّة ذاتها:  إن هذه الصياغة الجديدة للسؤال الذي طرحناه بدياً قد تنقص بعض الشيء من ثرائه، لكنها في المقابل تجنبنا عقبتين؛ فهي تجنبنا تقليص تاريخ العلوم إلى تحليل إبستيمولوجي محض – وهو ما يحدث لعديد الباحثين البارزين المعاصرين – أو إلى فلسفة للتاريخ على غرار فلسفة أو غست كونت. أما العقبة الثانية، فتتمثل في خطر التباس تاريخ العلوم بتاريخ أي مجال ثقافي اتّفق وهو التباس شائع بين المؤرخين. لكن الصعوبة تبقى برمتها إن لم نحدّد بمزيد من الدقة معنى السنّة المفهومية التي ينتمي إليها إنجاز علمي ما. هل يفهم هذا السؤال الأخير بنفس المعنى بالنسبه إلى كل الاختصاصات العلمية؟ وهل ينتمي الإنجاز العلمي إلى سنّة مفهومية واحدة أم إلى سنن كثيره ؟ هذه الأسئلة وغيرها تطرح نفسها فورياً وتؤدينا حتما إلى التساؤل عن معنى الإنجاز العلمي هذا وعمّا يميّزه من سائر الإنتاجات الإجتماعية للإنجازات الثقافية؟

ليس من النادر أن يجيب الفيلسوف عن هذا السؤال بالرجوع إلى تصوّر ما لليقين والبرهان، لنترك هذا السبيل الذي قد يبدو عقائدياً وإن كان في الحقيقة تام المشروعية. كذلك، كثيراً ما يستنجد المؤرخ برأي العالم الذي يعني به لتحديد الملامح المميّزة لعمل علمي ما. فربما يجيب تاريخياً عن سؤاله المعرفي، في حين أن الجواب الذي تسلّمه من العالم لا يكون إلا إيديولوجيا. أخيراً، قد يواجه مؤرخ العلوم المتمعن هذا السؤال بتقديم ضربين من التمييز: تاريخي ومعرفي. يفصل التمييز الأول بين نحوين من المعرفة، فيحدّ العمل العلمي بأن يميّزه من عمل ينتمي إلى ما قبل العلم، أما التمييز الثاني وهو أقل قوّة، فيتمثل في عزل صيغ عديدة للعمل العلمي الواحد. ويساعد على فهم تلك المسيرة التراكمية الضرورية والكلية كما يساعد على فهم السمات الخاصة بالعلم. المثال المفضل الذي يستشهد به عادة للتمييز الأول هو مثال جاليليو (Galilée) في الميكانيك. أما التمييز الثاني، فيكفي التذكير بالأمثلة الكثيرة التي تشخصه: لوباج (Lebesgue) في نظرية التكامل وكلموجروف (Kolmogorov) في نظرية الاحتمالات، إلخ ... من الواضح أن هذين التمييزين يرميان على السواء إلى تفسير ظهور الصيغ الجديدة للأعمال العلمية، إلا أن التمييز الأول يبدو "إبداعياً" ويعني بالصيغ الأولية على الإطلاق، في حين أن التمييز الثاني "تطوّري" إذ يتناول بالبحث الصيغ الجديدة انطلاقاً من الصيغ القديمة. لنتمعن في التمييز الأول إذ هو بالغ الأهمية بالنسبة إلى ما نحن بصدده.

يُعرض التمييز بين ما قبل العلمي والعلمي كما لو كان تمييزاً قطعياً يخضع له تاريخ العلوم بكليته. ويفهم هذا التقابل دائماً بمعنى تاريخي ومنطقي معاً. أي أن ما قبل العلمي يسبق دائماً منطقياً وتاريخياً ما هو علمي. وبمقتضى هذا التصور يزعم البعض أن القطيعة الحاسمة بينهما قد تمت جوهرياً في القرن السابع عشر. فهذا التقابل من شأنه أن يمكّن من تمييز العمل العلمي عن كل عمل آخر يدّعي البحث في نفس الموضوع. لا يتأخر المتمعن عن قرب عن إسناد جانب من الصحة إلى هذا التمييز وإن كانت العلاقات بين ما قبل العلمي والعلمي أكثر تنوّعاً وتعقيداً على الصعيدين المنطقي والتاريخي. لنبدأ بإبعاد الرياضيات من هذا التقابل الإقصائي. السبب في ذلك عرضي إذ لم يبلغنا أي شيء مما هو "قبل رياضي" بل أن العناصر التي هي من هذا القبيل أي التي هي من طبيعة قبل رياضية تنتمي بذاتها إلى الرياضيات: اللامنقسمات (في القرن السابع عشر)، الاعتبارات المتعلقة بمعنى النهاية في القرن الثامن عشر، النظريات الموضوعية والذاتية في الاحتمال والتي سبقت النظرية الافتراضية، إلخ ... أما في الاختصاصات العلمية الأخرى فإن عبارة "ما قبل العلمي" تبدو مشتملة على الأقل على أربعة اتجاهات معرفية: ينعت بهذه العبارة وعلى السواء كل من فيزياء أرسطو ونظريات القرن الثامن عشر في العقد الاجتماعي والداروينية الاجتماعية للقرن التالي والفيزياء الاجتماعية لكتلاي (Quetelet)، وعلم المناظر لأقليدس (Euclide) ونظرية الحدّية لجوفنس (Jevons ) أو فلراس (walras) أو پاریتو (Pareto)، وكذلك النموذج المدفعي (دراسة سقوط قذائف المدافع) لترتالیا (Tartaglia) ونظرية " الإنسان الناخب " (homo suffragens) لكوندرسيه (Condoreet)، ونظرية " الإنسان البرنولي " (homo bernouillien) عند علماء الاقتصاد.

تبين هذه الأمثلة بوضوح تام أن العبارة "ما قبل العلمي" أحكام متنوعة إذ لا يمكن ولا يجوز أن يلتبس أمر الحقائق المشار إليها بهذه العبارة فتدرج تحت عنوان واحد. فإذا نعتت فيزياء أرسطو ونظرية العقد الاجتماعي بما قبل العلمية فبمعنى أن كلتيهما نظرية تخص تجربة معاشة - تجربة حركة النقلة أو تجربة الاقتراع في مجلس ما - ويعتقد أنها نسقية ومنسجمة. أما الداروينية الاجتماعية والفيزياء الاجتماعية، فينعتان بقبل العلمية، بمعنى أن كليهما يمثل علماً أُلحق بميدان مغاير لميدانه الأصلي، وتنعت مناظر إقليدس والإسهامات الحدّية (في الاقتصاد) بما قبل العلمية بمعنى المعرفة «الخالصة» الناتجة من تطبيق مباشر للرياضيات على نظريات تخص التجربة المعاشة: تجربة الإبصار المباشر وتجربة توزيع الخيرات. أخيراً تنعت بما قبل العلمية نماذج ترتاليا في "المدفعية" وكوندرسيه في العلوم الاجتماعية أو فون نیومان (Von Newmnan) في الاقتصاد باعتبارها تطبيقات غير مباشرة للرياضيات على نظرية عن التجربة المعاشة بحيث يكون هذا التطبيق معتمداً على قياس مع اختصاص ثالث ذي ترييض فعلي أو مزعوم.

يتضح أن المعارف ما قبل العلمية ليست متعددة فحسب، بل أن جلّها مرتبط بعلوم أخرى لها موضوعات مغايرة لموضوعاتها. يلزم من ذلك نتيجتان: الأولى هي ضرورة اختلاف معايير الإنجاز العلمي عن كل معايير هذه الأعمال القبل العلمية. أما النتيجة الثانية، فتتمثل في تصدّع معنى السنّة على صعيدي نظام التزامن ونظام التعاقب. لنبدأ بفحص مسألة المعايير، إذ تمنع هذه المعايير من تناول موضوع العلم لا كموضوع ما قبل العلم فحسب، بل كموضوع أي إنتاج ثقافي آخر. لقد رأينا أن المعرفة ما قبل العلمية ترتبط دوماً بتجربة معاشة وبالتالي بتجربة خاصة، ومع ذلك فإنه ينبغي ألّا ننسى فهم هذا الارتباط. فالنظرية أو الفلسفة إذا كانت مبلورة فإنها لا تقتصر على التعبير عن مضمون التجربة بطريقة مباشرة ولا تجري تطابقاً مباشراً بين مفهوم وحدث أو بين حكم ومعطى ما، بل التطابق الذي تجريه هو بين حكم وحكم آخر، أي بين علاقتين بين المفاهيم، وبهذا الاعتبار يمكن القول إن معطيات التجربة المعاشة تخضع لتوسّط حلّ أدواته عند أصحاب هذه النظريات هي التنسيق اللغوي وضبط المفردات المعجمية.

يعني هذا أن معطيات التجربة المعاشة لا تمثل إلا نقطة انطلاق وأن إخضاعها إلى التوسط ضروري لإنشاء النظرية. لنذكر في هذا الصدد أن النظرية الأرسطية في الحركة لا تتكون بتاتاً من قضايا ترتبط مباشرة بالتجربة الحسية لحركة النقلة، بل هي تتكوّن من القضايا التي تخصّ تطابق «فعل ما هو بالقوة من حيث كذلك» مع القضايا المتعلقة " «بالطبائع المحدّدة» وبالنظام الكسمولوجی، كذلك هو شأن نظرية ج. ج. روسو في العقد الاجتماعي. هذه النظرية لا تخص التجربة المعاشة لعملية الاقتراع، بل هي تربط تصوّراً ما للعقد الاجتماعي بتصوّر للاقتراع من حيث هو تعبير عن الإرادة العامة. بفضل هذا التوسّط والتعالي الذي يضمنه بالنسبة إلى المعطيات (أي معطيات التجربة المعاشة)، يمكن إدراج معيار الاتساق، ذلك الاتساق الصارم كما ينشده الفيلسوف وهو اتساق يحيل في آن واحد إلى المتانة المنطقية وإلى إحكام البنية المفهومية.

يجب أن نضيف إلى هذا التوسّط وإلى هذا البحث عن المتانة المنطقية والإحكام البنيوي معیاراً  آخر بمراعاته تستطيع نظرية التجربة المعاشة إحراز تقدم . ويتمثل هذا المعيار في التعديلات المتتالية التي تهدف إلى استنفاد معطيات تجربة ما خاصة واستيعابها في عرض مطرد الاتساق. لنذكر على سبيل المثال التعديلات التي أدخلها القائلون بنظرية الميل أو الاعتماد على المذهب الأرسطي في الحركة. وباختصار، فإن الوساطة والتعالي والمتانة المنطقية والإحكام البنيوي والتطوّر عن طريق التعديلات المتتالية، كل هذه تمثل معايير المعرفة الناتجة من فينومينولوجيا تهدف إلى احتواء أحداث ما - كما هو شأن نظرية أرسطو أو ج. ج. روسو - أو المعرفة الناتجة من استيلاء على فينومينولوجيا أعدت في البداية لمجال مغاير لهذا المجال مثل ما هو شأن الفيزياء أو الداروينية الاجتماعيتين. هناك نموذج أول لتطبيق الرياضيات على نظرية التجربة المعاشة يتمثل في العزم على استبدال مباشر وتام لمعانيها بالعلاقات الرياضية مثل ما يقع في علم المناظر عند أقليدس أو في حدّية فلراس (Walras). والرياضيات في هذه الحالة لا تعدو كونها لغة. أما النموذج الثاني لتطبيق الرياضيات فإنه يُخضع عملية الاستبدال لوساطة علم ثالث هو تحت سيطرة للرياضيات فعلية أو مزعومة، فيعمد إلى إجراء قياس بين العلمين كوسيلة لترييض نظرية التجربة ذاتها. وهذه الطريقة هي طريقة النماذج.

المعارف ما قبل العلمية هي إذن متعدّدة، وهي أيضا متفاوتة القيمة. فمع أنها تنطلق كلها من نظرية ما في التجربة المعاشة، ومع كونها تخضع إلى المعايير نفسها التي سبق عرضها، فإن أهدافها مختلفة وكذلك قدراتها التفسيرية ودرجة رقابتها لتركيبها اللغوي ولتقنيتها. لذلك، لا يمكن أن تكون لهذه المعارف نفس العلاقات مع العلم المقبل. صحيح أن العلم المقبل إنما يتكون في تضاد وبقطيعة معها وهذا ما قيل مراراً، لكن القطيعة لا يكون لها في كل الحالات نفس المدى. فمع أن القطيعة مع نظرية التجربة ومع معاييرها تحدث دائماً في العمق، فإنها تسلك سبلاً لا تفتأ عن التباعد. هكذا كان شأن علم المناظر مع ابن الهيثم، فإن قطيعته مع نظريات سابقيه تتمثل في فصل شروط انتشار الضوء عن شروط الرؤية، بحيث لا يؤخذ بعين الاعتبار في خصوص الأولى إلا أشياء مادية –«أصغر أجزاء الضوء» - لا تحمل من الصفات إلا التي تخضع إلى رقابة هندسية وتجريبية تاركة جانباً الكيفيات الحسية باستثناء تلك المتعلقة بالطاقة. ومع عمق هذه القطيعة - إذ مكنت مع إدراج ضرب جديد من البرهان في علم المناظر وفي العلم الطبيعي - فإنها لم تحصل بنفس الحال مع مناظر أقليدس ولا مع نظرية الإبصار الأرسطية. كذلك كان الشأن في الميكانيكا، فجاليليو كان أوّل من استطاع التمييز داخل نظريات الحركة بين ما هو عائد إلى علم الحركة (cinématique) وما يعود إلى الديناميكا، بحيث لا يؤخذ بعين الاعتبار إلا العلاقات بين أوضاع الأشياء المادية عبر الزمان. فلم تعد تكتسي إلا صفات يمكن مراقبتها هندسياً وتجريبياً إذ أقصيت كل الصفات الحسية ما عدا صفة مقاومة الحركة. لم يكن حسم هذه القطيعة العميقة مع النظرية الأرسطية كما كان حسمها - أي بالعنوان نفسه - مع نظرية الميل أو الاعتماد أو مع نظريات حُسّاب أكسفورد وباريس أو مع نماذج القوهي وترتالیا.

لا يفرض تنوّع العلاقات مع العلم المقبل على الباحث الإبستيمولوجى أن يميّز بين السنن المفهومية للمعارف ما قبل العلمية فحسب، بل يمنحه ما هو أهم من ذلك: وسائل تنظيمها وترتيبها. وبهذه الإمكانية تختص الأعمال ما قبل العلمية وتمتاز عن سائر الإنجازات الثقافية الأخرى التي تتاح دراستها للمؤرخ. بعبارة أخرى، فإن العلم المقبل يملي مبدأ تنظيم هو - بمعنى مجازي ما - تصوّر لمسافة يساعد على تحديد مواقع المعارف ما قبل العلمية. لكن هذا الامتياز ليس مفروضاً على المؤرخ رغما عنه، بل لفائدته. لأن التمييز بين هذه السنن المفهومية يمكّنه من التعرف على السنن النصية والتقنية المؤسسة لها والمعطاة غالباً في ركام من المعطيات عديم البنيات. فيكون المؤرخ عندئذٍ قادراً على طرح كل الأسئلة التاريخية والاجتماعية اللازمة لفهم تكوّن تلك السنن وتطوّرها ولفهم تفاعل مختلف العوامل الاجتماعية والإيديولوجية التي ضمنت استقرار صيغها.

تتم القطيعة مع نظريات التجربة المعاشة - ومع معايير تطويرها في آن واحد - بفضل تصوّر لموضوع يحتوي على قانون للإجراء العملي وللحكم. فلا تكون المعرفة الناتجة (من القطيعة) متضمّنة لقوة تراكمية فحسب، بل إنها لا تحقق فعليا التراكم إلا بفضل تعديل مستمر لكيفية فهمها، وتبرز الصيغ الجديدة أثناء عمليات التعديل هذا، فإذا فكرنا بمفاهيم جاهزة سلفاً، فإنه يمكن القول إن الانفصالات والاتصالات مرسومة بعضها في بعض. وقد تسمى أحياناً هذه القطيعة «ثورات» إشارة إلى الانتقال من نظرية إلى أخرى، من ميكانيك جاليليو ونيوتن إلى النسبية الخاصة، ومن هذه مع الكهردينامية والدينامية الحرارية المتصلة إلى نظرية الكوانطا (théorie des quanta ). ما يقصد هنا هو ظهور صيغ جديدة للعمل نفسه تعيد في كل مرة تحديد موضوعه، لكن بدون استبداله بموضوع آخر مغاير كما كان حال المعرفة ما قبل العلمية. تبدو الصيغة القديمة في هذا التتالي المتقطع وكأنها حالة تقريبية من الصيغة الجديدة يمكن التعبير عنها بلغة هذه الأخيرة، بحيث يكون الجديد هو الذي يعطي علّة وشروط صحة القديم، فلا يلغي ظهور الصيغ الجديدة الصيغ القديمة بل يصححها ويحتويها. حسب هذه الشروط، يتغيّر جذرياً معنى السنة المفهومية وأحسن دليل على ذلك هو أسلوب موتها: تموت السنن ما قبل العلم اغتيالاً. أما السنن العلمية، فإنها تتوفى لنفاد إمكانياتها الذاتية. يبين هذا الفارق - الحاسم في نظري - أن المسائل والإشكاليات التي تصدّرت ميلاد السنن المفهومية هي داخلية في العلم، أو على الأقل إنها مسائل وإشكاليات أمكن صياغتها كاملاً في لغة العلم. هكذا فإن كل سنّة تقدر على التكلّم في لغة السنّة الأخرى وكلها قابلة إلى أن تترجم في لغة ورثتها البعيدين. فيمكن مثلاً ترجمة لغة سنّة ابن الهيثم في علم المناظر إلى لغة السنّة النيوتونية، في حين يمتنع ذلك بالنسبة إلى مناظر أقليدس، ويمكن أيضاً أن نترجم سنّتيْ ابن الهيثم ونيوتن في لغة سنة فرنل (Fresnel). ولا تقتصر هذه الترجمة على صعيد نظام التعاقب، أي على الترجمة في لغة العلم المنتصر، بل يمكن إجراؤها على صعيد نظام التزامن. لنذكر في هذا الصدد مثالين لسنّتين متعاصرتين ومتنافستين وهما السنّة التي ابتكرها نیوتن لحساب السرعة اللامتناهية الصغرى وسنّة الحساب التفاضلي لليبنتز (Leibniz). وعلى الرغم من الجدال الذي دار بينهما وعلى الرغم من اختلاف أسلوبيهما - هندسي من جهة وألغوريتمي من الجهة الأخرى - فإن كل واحد منهما يستطيع التكلم بلغة الآخر، وكلاهما قابل للترجمة في لغة التحليل النمطية. إن هذه السمة الأساسية ليست خاصة بالرياضيات فقط، بل تشترك فيها كل المعارف العلمية بما فيها المعارف ذات المواضيع الفينومينوتقنية حسب عبارة باشلار (Bachelard).

بفضل ضرب من الاكتمال الإبستيمولوجي المميّز للعلم، ينعتق معنى السنّة المفهومية من السنّة «الشيئية» أكثر مما يتحرّر في المعرفة القبل علمية، إذ لا يتقلص دور العناصر الخارجية فحسب، بل أكثر من ذلك، فإن هذا الدور يصير خاضعاً لرقابة عند تكوين النماذج النظرية وعند البرهنة على صحتها. إن الرقابة اللغوية والتقنية الواقية من الآلهة المتخفية.

لكن هذا الاستقلال لا ينقص شيئا من دور السنّة «الشيئية» بل العكس. فإن كانت السنّة المفهومية تعرّفنا بدقة عن المكونات الزمنية والبشرية للسنّة «الشيئية»، فإن إقرار هذه الأخيرة قد يتطلب أعمالاً من شأنها أن تفسّر تكوّن مجموعة العلماء وطرق تعلّمهم واختيارهم للميادين التي يريدون تطويرها وإيقاع هذا التطوير ... أي كل العناصر المادية والاجتماعية التي نصبت إطار السنّة المفهومية التي من شأنها أن توضح إيقاعاتها وانتشارها، إلخ ... ولكنها مع ذلك لا تفسّر بتاتا أنظمة المفاهيم وبراهين صحتها. إن اختيار ميادين البحث وتحديد أولويات الاستثمار وتكوين العلماء وتعدد كفاءاتهم وترتيب طبقاتهم، وكذلك الإيديولوجيات الاجتماعية والعلمية على السواء، كل هذه العناصر هي بلا شك من بين العوامل التي قد تفسر ما يحدث من مناظرات بين العلماء عندما لا تكون الظواهر كاملة التحديد، وعندما لا تكون البراهين صارمة الأداء. وقد تفسّر تلك العوامل النزاعات التأويلية التي ترافق دائما التحول إلى مرحلة التطبيق والتطوّر المتفاوت للاختصاصات، إلخ ... لكنها لا تخبرنا عن تكوّن النماذج النظرية الصحيحة إذ تعود هذه المهمة فيما يبدو إلى تاريخ العلوم وعلى تحديدها يتوقف نجاحه في تكوين تخصص حقيقي. أما الأعمال المتعلقة بالسنّة «الشيئية»، والتي لا يمكن للمؤرخ الاستغناء عنها، فهي مع ذلك تنتمي إلى اختصاصات أخرى لها معاييرها المغايرة وهي متراوحة بين علم الآثار وعلم النفس الاجتماعي مرورا بعلم المخطوطات أو علم الاقتصاد وغيرها. إن الفروق بين السنّة الشيئية والسنة المفهومية لا تحيل إلى اختلاف المواضيع والمناهج فحسب، بل تتجذّر بعمق أكثر في طبيعة الضرورة الخاصة بكل واحد منهما. ولعل هذا هو الموقع الذي تنبع منه كل الخلافات والنزاعات، أن - باستعمال عبارة جاهزة - القطيعة بين «اتباع النظر الداخلي» و «اتباع النظر الخارجي»، أو بين اتباع «التاريخ الاجتماعي» ومؤرخي العلوم. وفعلاً، فإن السنّة الشيئية تعالج - بعبارة مختصرة - أفعالنا التي من حيث هي مركبات نفسية واجتماعية وتاريخية هي موجودات الآن وهنا، أي ظواهر عرضية، فإن ظواهر مثل تكوين أكاديميات، وكيفية العمل لمركز بحث هام، ونظام العمل في مخبر ما، وأنحاء نقل المعرفة وطبيعة الحامل المادي لنصها، ورصد الموارد والانتماء الاجتماعي لعالِم ما وملامحه النفسية، إلخ... كل هذه ظواهر عرضية قد يعثر فيها علم النفس وعلم الاجتماع وعلم الاقتصاد على ضرب من الضرورة، لكن لا توجد أية ضرورة لعلاقاتها بالظواهر العلمية. وبالمقابل فإنه إن أمكن التعرّف على هذه الظواهر العلمية فلأنها ضرورية، كما هو الحال في قانون رياضي ما أو قانون فيزيائي. لهذا لا تكون الظاهرة الشيئية صادقة أو كاذبة خلافاً للظاهرة المفهومية حيث تكون الضرورة معيارا للصدق. من هنا نفهم أن كل توجّه إجمالي هو توجّه محكوم عليه مسبقاً بالفشل النظري. إن الاتجاه الشائع والساذج بتعميم التاريخ الاجتماعي على السنّة المفهومية لهو شبيه كالتوأم بالطموح في تعميم علم النفس على المنطق. فقد أدّى هذا الطموح في الماضي القريب إلى «السيكولوجية»  (psychologisme) الشهيرة التي أثارت صواعق فلاسفة مثل كانط (Kant) وهوسرل (Husserl) وكافایاس (Cavaillès) ولن يلبث هذا الاتجاه إلى أن يؤدي بدوره إلى «التاريخية» (L’historicisme) وهي أوثق سبيل إلى اللامعقولية. زد على ذلك أن أطروحة شمولية التاريخ الاجتماعي هي أطروحة لا تحصّن حتى ذاتها إذ إن مآلها أن تصير بدورها من قبيل العرض فتنغلق عندئذ الدائرة المفرغة. من جهة أخرى فإن إمكانية هذا الشمول تقتضي إخراج قيمة الصدق والتمييز بين الصادق والخاطئ من العلم نفسه. وفي المقابل، يؤدي تعميم التاريخ المفهومي على السنّة الشيئية إلى «تاريخ خالص»، أي إلى فلسفة في التاريخ. غير أن مشكلة تاريخ العلوم، وهي المشكلة التي تُختزل فيها كل صعوبته، إنما هي هناك: إن إنتاج ظواهر العلم - المحدّدة من حيث هي إنتاج للناس ومن حيث هي ناتجة من أعمالهم - إن هذا الإنتاج يتجاوز، من حيث هو أثر لهذا الإنتاج، الظروف العرضية لظهوره ويعلو عليها ليتميز منها بما له من خاصيات الضرورة. بإيجاز وبوضوح، إن المسألة كلها هي مسألة بروز الضروري داخل العرضي. ينكشف عندئذ مؤرخ العلوم في حقيقته كما كان دوما يسعى إليها: فلا هو «ناقد للعلوم» على غرار ناقد الفن، ولا هو مؤرخ بمعنى صاحب اختصاص في التاريخ الاجتماعي، ولا هو فيلسوف من بين فلاسفة العلوم، بل هو - ببساطة - فينومينولوجي البنى المفهومية، فينومينولوجي نشأتها وتولداتها داخل السنن المفهومية المتغيّرة على الدوام.

 

البريد الإلكتروني للكاتب: rashed@paris7.jussieu.fr

مواضيع ذات علاقة

0 التعليقات

أضف تعليقك