للبحث الدقيق يمكنك استخدام البحث المتقدم أدناه

يعتمد البحث السريع على الكلمات الموجودة داخل عنوان المادة فقط، أما البحث المتقدم فيكون في كافة الحقول المذكورة أعلاه

الطاقة النووية والبيئة

  • الكاتب : أ. د. مفتاح محمود الزعيليك

    ليبيا

  • ما تقييمك؟

    • ( 4.5 / 5 )

  • الوقت

    11:24 ص

  • تاريخ النشر

    30 أكتوبر 2014

الكل يعرف ان استخدام الطاقة النووية في توليد الكهرباء قوبل قي البداية بمعارضة شديدة من كثير من الجماعات في العديد من دول العالم، وانقسم العامة بين مؤيدين ومعارضين لهذا الاستخدام السلمي للطاقة النووية، حيث من وجهة نظر المعارضين لإقامة المفاعلات النووية والمحطات الذرية هناك احتمالات كبيرة بحدوث خلل في بعض اجزاء هذه المفاعلات والمحطات قد تؤدي إلى تسرب اشعاعي منها وبالتالي انتشاره في المناطق المحيطة والقريبة من هذه  المفاعلات والمحطات. وهم يستندون في ذلك على بعض الحوادث النووية التي وقعت لبعض المفاعلات مثل مفاعل تشرنوبيل ومايلز ايلاند وما ترتب عليهما من انتشار اشعاعي فوق اوروبا وبعض دول آسيا.

اما بخصوص المؤيدين للطاقة النووية فهم يستندون على تطورها تكنولوجيا و استفادتها من كل الحوادث درس وحصانة مكنتها من الوصول بها إلى مرحلة متقدمة جدا من ناحية الأمان لدرجة عمل تصاميم لأنواع من المفاعلات ذات الأمان الذاتي الذي اطلق عليها مفاعلات الجيل الرابع و هي تعتمد في تشغيلها على الكفاءة الذاتية وأقل عنصر بشري، وهذا النوع من المفاعلات يتوقف عن التشغيل ذاتياً عند ما تشعر منظومة التشغيل أي غرفة التحكم الالكترونية بأي خطر مثل ارتفاع درجة الحرارة عن الحد المطلوب للتشغيل. من هنا، فإن الطاقة النووية اليوم آمنه للحد الذي لا يتصوره أحد. وحتى اتعمق اكثر بكم في مقالي هذا في الوقت الذي يكثر فيه اليوم الحديث حول مسألة نفاذ مصادر الوقود الأحفوري (النفط والفحم)، نجد العلماء والباحثين والخبراء في مجال الطاقة قد اتخذوا قرارا بالعودة للاعتماد على نظم الطاقة البديلة لغرض تحقيق الاكتفاء الذاتي، ومن هذا المنطلق هناك العديد من العوامل التي يجب اخذها بعين الاعتبار خاصة بعد ما اتضح يقينا ان عصر الطاقة الرخيصة (الوقود الأحفوري وهو النفط) قد ولى، وهي:

  • نضوب الموارد.
  • تواصل النمو السكاني.
  • تدني حصة الفرد الواحد من الإنتاج الغذائي.
  • التغير المناخي الشامل وظهور علامات أخرى على التردي البيئي ( ظاهرة ثقب الأوزون + الغازات الدفيئة مثل ثاني اكسيد الكربون وغيره) وهي الأهم.

 

وتعتبر الذرة والتكنولوجيا المرتبطة بها من المجالات التي لها إيجابيات كبيرة تسهم في حل الأربع عوامل المذكورة سلفاً رغم وجود بعض السلبيات اذا حدث تهاون في الشروط  الأساسية لاستخدام التكنولوجيا الذرية، و فهم ايجابيات الاستخدامات السلمية لهذه التكنولوجيا فأنها تسهم بشكل كبير في المحافظة على البيئة. واليوم بدأت تلوح في النظام المناخي نهاية تكاد تعود بشكل مؤكد إلى زيادة آثار الاحتباس الحراري الناتج عن النشاط البشري، و عليه فإن الطاقة النووية ستسهم في المساعدة على حل مشكلة تلوث الغلاف الجوي و التقليص من هذه الظاهرة إلى أدنى حد ممكن. من هذا المنطلق فإنني أرى أن الطاقة النووية هي أنسب الخيارات المتاحة في ما يتعلق بحماية البيئة نظراً لنظافتها و قلة تكلفتها على الرغم مما تحتويه من مخاطر من بينها النفايات النووية و أسلحة الدمار الشامل و مشكلة التخلص من المنشآت النووية القديمة، وأنا في مقالي هذا لا أطرح استراتيجية عامة لمصادر الطاقة بل أنبه إلى ان استهلاك الطاقة بالشكل الذي نحن عليه اليوم سوف يؤدي إلى كارثة بيئية و إنسانية نظراً لعدم قدرة البيئة على تحمل تزايد السكان فالضغط السكاني و نضوب موارد الطاقة لا يمكن ان تكونا قضيتين جانبيتين بل هما القضيتان المركزيتان اللتان يحددان مصير استهلاك الطاقة.

لقانون النووي والبيئة

من المعروف ان القانون النووي هو اطار لاستخدام الطاقة النووية لأغراض  سلمية بمعنى المحافظة على الصحة و أمن الأفراد والممتلكات والبيئة ايضاً. والاتفاقيات الدولية التي تخص الأمان النووي و التي تجعل حماية البيئة من  ضمن أهم أهدافها الرئيسية على سبيل المثال، المادة الاولى من اتفاقية الأمان النووي سنة 1994 تنص على ان أهداف الاتفاقية المحافظة على المنشآت النووية من مخاطر الإشعاعات النووية المحتملة لأجل حماية الأفراد و المجتمع والبيئة من الآثار الضارة للإشعاعات المؤينة الناتجة من هذه المنشآت، ومن ضمن هذه الاجراءات على سبيل المثال: الاختبارات المستمرة للأمان ونظم التصاريح ووضع نظام للتدخل في حال وقوع حادث مع مبدأ استرجاع الخبرة. وبخصوص الإشعاعات المؤينة فالقانون النووي يأخذ بمبدأ التناسب الذي يترجم بفرض قيود على تعرض العاملين في هذا المجال للإشعاع اعتمادا على مبدأ التبرير و لهذا يتم الأخذ بعين الاعتبار المزايا الاقتصادية والاجتماعية مقارنة بالأضرار الصحية المحتملة.

علاقة قوانين البيئة بالقانون النووي

يعتمد القانون النووي على مبدأ التنمية المستدامة أيضاً، وعلى مبدأ أن الملوث هو من يدفع، ومن هذين المنطلقين من ناحية التنمية المستدامة يجب المحافظة على مخزون اليورانيوم و كافة الموارد الطبيعية التي تتأثر بالإشعاع لأجل الحفاظ على الأجيال القادمة كما يجب تقنين استخدام اليورانيوم، والأهم أخذ كافة الاعتبارات البيئية في الحسبان وتكون جزء من الاستراتيجية الاقتصادية والسياسية في كافة برامج التنمية الخاصة بالطاقة النووية. أما بخصوص المنطلق الثاني وهو أن الملوث من يدفع، فهذا يعني تكاليف التلوث يتحملها المشغل أو الحكومة المسؤولة عن هذا التلوث ومن الاتفاقيات الخاصة بالمسؤولية المدنية النووية التي تنص على أن المشغل هو المسؤول عن الاضرار التي تصيب البيئة، وهذا ينطبق أيضاً على تفكيك المنشآت النووية ويتم ذلك عن طريق وضع نظام مالي وتشريعي لإعادة تأهيل وتفكيك المواقع النووية .

أنواع التلوث البيئي الناتج عن المحطات النووية

يمكن تحديد أهم أنواع التلوث الناتج عن محطات الطاقة النووية للبيئة في محورين: هما التلوث الحراري و النفايات و المخلفات النووية.

التلوث الحراري

من المعروف أن المحطات و المفاعلات النووية تحتاج إلى تبريد وبالتالي تستخدم لهذا الغرض كميات كبيرة من الماء وهذا ما جعل أغلبية المحطات النووية لتوليد الكهرباء تقام على شواطئ الأنهار أو البحيرات أو البحار، أي بالقرب من مصدر مائي، وحقيقة الأمر هنا ينبع مكمن الخطر في عملية إعادة صرف الماء الساخن بعد استخدامه في تبريد المفاعل إلى المجرى المائي الأصلي حيث يكون هناك فرق واضح في درجات الحرارة بين كتلة الماء التي استخدمت في التبريد وبين بقية مياه المجرى الأصلي، وقد يصل الأمر بعد تكرار هذه العملية يومياً إلى رفع درجة حرارة المجرى المائي الأصلي بأكمله خاصة اذا كان هذا المصدر مقفل أو قد يؤدي إلى رفع درجة حرارة جزء من المجرى القريب من المحطة النووية اذا كانت هذه المحطة قد شيدت على البحر على سبيل المثال، و من منطلق أن هذه العملية قد لا تؤدي إلى رفع درجة حرارة الماء إلا قليلاً حيث لا يزيد عن ثلاث او أربع درجات مئوية ورغم ذلك قد يسبب هذا الارتفاع البسيط في درجة الحرارة إلى الاخلال بنظام البيئة المتوازن  من ثّم تضر كثيراً بحياة بعض الكائنات الحية التي تعيش في مجرى النهر أو البحر، ولكي أوثق مقالي هذا علمياً هناك العديد من التجارب العلمية المعملية المؤكدة تفيد أن المحطة النووية التي تبلغ قدرتها حوالي 600 ميجا وات تستطيع المياه الساخنة الناتجة منها أن تسبب تلوثاً حرارياً لنهر كامل معدل جريان الماء فيه حوالي ثلاثين متر مكعب في الثانية وترفع درجة حرارة مياهه حوالي عشر درجات مئوية. والخطر الكبير من هذا التلوث الحراري هو أن المياه الساخنة المصروفة من المحطات النووية بها نسبة عالية من غاز الاكسجين بالتالي عند اختلاط هذه المياه بمياه المجرى المائي تقلل من كمية الاكسجين الذائب في هذه المياه المحيطة بالمحطة النووية وهو ما يؤثر كثيراً على نشاط الكائنات الحية التي تعيش في هذا المجرى.

كيفية معالجة التلوث الحراري

هناك عدة حلول للتغلب على مشكلة التلوث الحراري، منها على سبيل المثال: إقامة المحطات النووية على شواطئ البحار و استخدام مياه البحر أو المحيط العميقة في عملية تبريد مفاعلات المحطات النووية حيث مياه البحر أو المحيط العميقة تكون درجة حرارتها منخفضة جداً عن درجة حرارة مياه البحر أو المحيط السطحية، بالتالي لا ترفع درجة حرارة هذه المياه كثيراً عن درجة حرارة مياه البحر أو المحيط السطحية بعد استخدامها في تبريد المفاعل.

التلوث البيئي الناتج عن النفايات والمخلفات النووية

العقبة الحقيقية التي تعاني منها التكنولوجيا النووية اليوم هو كيفية التخلص من النفايات النووية دون الإضرار بالبيئة، على الرغم من التقدم الملحوظ لهذه التكنولوجيا خاصة في توليد الطاقة الكهربائية التي تعتبر أهم انجاز يحسب للطاقة النووية في التنمية المستدامة، بالتالي علينا الحرص الشديد عند تعاملنا مع النفايات و المخلفات النووية من ناحية نقلها بعد انتهاء استعمال الوقود النووي اليورانيوم المستنفد الذي يحتوي على نسبة عالية من الذرات القابلة للانشطار، وهناك العديد من نواتج الانشطار المشعة التي بها قدر كبير من الحرارة و الإشعاعات التي لها أثر كبير على المحيط البيئي وما به من كائنات حية سواء كانت حيوانية او نباتية و الإنسان الذي يعيش في هذه البيئة.

كيفية التخلص من النفايات والمخلفات النووية

على الرغم من عدم الوصول إلى طريقة ناجعة لحل مشكلة التخلص من النفايات و المخلفات النووية إلا أن هناك العديد من المحاولات الجادة التي كللت بالنجاح على مستوى بعض الدول منها:

  1. غمر النفايات والمخلفات النووية في برك أو خزانات مملوءة بالماء حتى تفقد جزاء كبير من حرارتها و أغلب اشعاعها تم توضع في أوعية خاصة غير قابلة لنفاذ الإشعاعات منها، و بعد ذلك تدفن هذه الأوعية في باطن الأرض على اعماق كبيرة و يحصل هذا بعيدا عن مناطق العمران والسكان.
  2.  تغلف النفايات والمخلفات النووية المشعة على هيئة كتل زجاجية أو خزفية تساعد على مقاومة الحرارة المنبعثة من هذه النفايات والمخلفات النووية وتعزل عن الوسط المحيط بها ثم توضع بعد تغليفها بالزجاج أو الخزف في أوعية من الصلب محكمة الغلق وتحفظ في آبار خاصة لها جدار سميك وتوضع تحت سطح الأرض، ورغم كل هذا فرض رقابة دائمة على مواقع دفن (مقابر) النفايات والمخلفات النووية  نظراً لأنها  تبقى مصدر خطر لمدة طويلة تصل إلى مئات السنين وحتى لا أكون مجحفاً في حق مصادر الطاقة الأخرى خاصة النظيفة وهي الشمس والرياح والهيدروجين التي لا تنتج عنها مواد ملوثة للبيئة ولا تسبب ضرراً لها تفضل عن غيرها رغم أنها لا تزال لم تفي بالغرض المطلوب من الطاقة.

 

الخلاصة

ما يمكن استنتاجه من هذا المقال هو أن الطاقة النووية صعد نجمها بسبب الاهتمام العالمي بمشاكل البيئة و الاحتباس الحراري وارتفاع درجات حرارة الكون، فتتوقع الدراسات القائمة حالياً أن تكون صناعة الطاقة النووية هي الخيار الأمثل مع نهاية هذا القرن لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية في ضمان حماية البيئة، وقد تكون هي الأداة المهمة لإنجاز كافة البروتوكولات الخاصة بحماية البيئة، منها: بروتوكول كيوتو. والطاقة النووية تسهم  اليوم فيما يزيد عن 18% من استهلاك الطاقة الكهربائية عالمياً بالإضافة إلى حل الكثير من المسائل الصحية والصناعية والزراعية عن طريق الدور الذي تلعبه النظائر المشعة في كافة هذه القطاعات. ورغم كل ذلك للطاقة النووية آثار سلبية على البيئة إلى حد ما متمثلة في النفايات والمخلفات النووية الناتجة من المفاعلات النووية اضافة إلى الحرارة الناتجة عن تشغيل المحطات النووية المستخدم فيها الماء للتبريد. هذان الجانبان اذا لم يتم حلهما جذريا سوف يبقيان حجر عثره أمام تكنولوجيا الطاقة النووية. واختم مقالي هذا أن الطاقة النووية بما لها من مزايا وعيوب فهي مصدر يمكن التعويل عليه خاصة انها آمنة و وفيرة و نظيفة و ذات موثوقية مقارنة بالمصادر التقليدية النفط والفحم المسببان لما يعانيه العالم اليوم من تفاقم لأزمة تلوث البيئة.

المصادر

  1. انتهت الحفلة " سراب النفط " النفط والحرب ومصير المجتمعات الصناعية  (ريتشارد ها ينبرغ) 2004 .
  2. الإشعاع والطاقة النووية حقائق العلم في مواجهة الوهم . د. عبد الوالي العحلوني 2011
  3. 3عالم الفكر المجلد 41 ( الطاقة ) العدد ..3 مارس 2013
  4. نهاية عصر البترول ( لولن كامبيل – فيرنرتسيتيل- يورغ سيندرلر) (307) 2004.
  5. مأزق الطاقة والحلول البديلة من اجل تفادي وقوع الكارثة  . ديفيد هويل وكارول نخلة.

 

البريد الالكتروني للكاتب : muftahmahmoud4455@gmail.com

هذا والموقع يساعد المؤلف على نشر إنتاجه بلا مقابل من منفعة معنوية أو مادية، شريطة أن يكون العمل متوفراً للنسخ أو النقل أو الاقتباس للجمهور بشكل مجاني. ثم إن التكاليف التي يتكبدها الموقع والعاملون عليه تأتي من مساعدات ومعونات يقبلها الموقع ما لم تكن مرتبطة بأي شرط مقابل تلك المعونات.

ترخيص عام

الموقع قائم على مبدأ الترخيص العام للجمهور في حرية النسخ والنقل والاقتباس من جميع المحتويات والنشرات والكتب والمقالات، دون مقابل وبشكل مجاني أبدي، شريطة أن يكون العمل المستفيد من النسخ أو النقل أو الاقتباس متاحا بترخيص مجاني وبذات شروط هذا الموقع، وأن تتم الاشارة إلى منشورنا وفق الأصول العلمية، ذكرا للكاتب والعنوان والموقع والتاريخ.

مواضيع ذات علاقة

1 التعليقات

  • كريم19 أغسطس, 202008:38 م

    شكر

    موضوع مهم شكرا الك استاذ

    رد على التعليق

    إرسال الغاء

أضف تعليقك